ما زال موضوع الدين يمثّل "التابو" الذي لا يجرؤ أحد على الخوض به سوى "أهل الاختصاص"، ومازال كلّ ما يصدر عن "أهل الاختصاص" هو وحده الذي يمكن لنا أن نتحدث فيه أو أن نتّبعه...وما زال تعريف "أهل الاختصاص" عائم، ففي الماضي كان كل من يلبس "لفة" على رأسه يعتبر من "أهل الاختصاص" وهؤلاء كانوا رجالا في معظمهم قد درسوا الدين أو هكذا "يجب"، ومع ذلك فقد لبس هذه "اللفة" أيضا من لم يدرس الدين بتاتا بل اعتقد أنه فعل ذلك...أما اليوم فكل من ترك شعر ذقنه يطول، وظهرت على جبينه "بقعة داكنة" أصبح يعتبر نفسه من "أهل الاختصاص"، وكل من لبست الجلباب، وغطّت شعرها فهي أيضا بدأت تعتبر نفسها من "أهل الاختصاص" ولا سيما إن غطت وجهها وكفي يديها، وقضت معظم أوقاتها في الجامع...

لا أريد أن أسخر من المتدينين والمتدينات، وهذا ليس من طبعي، فأنا أحترم كل من يحترم مبادئه وكل من يحترم مواقفه، وكل من يحترم الآخر وهذا الأهم...ولا أريد أن أنقص من طريقة اللباس أو أعترض عليها فذاك يندرج أيضا ضمن احترامي للآخر الذي يحترمني ويحترم ذاته...ولكن وبعد أن فاض الكيل فقد اضطررت أن أكتب هذه المقالة لأخاطب كل حريص أو حريصة على الدين مسائلة إياه وإياها عن دوره ودورها في وقف كل ما يناط بالدين من "بدع" و"خراريف" و"فتاوى مرعبة" لا تهدف إلا إلى زرع البلبلة وشغل البال في أمور خيالية وفي أحسن الأوقات غير حقيقية، وإرهاب الفتيات والنساء بشكل خاص، متسائلة عمن تكون هؤلاء الفتيات والنساء، أوليسوا الأمهات، الأخوات، البنات، الجدّات، الرفيقات، المناضلات، الشريكات في كل مناحي الحياة، فكيف نسمح بأن يمارس الإرهاب ضدهن من قبل كل من يدّعي بأنه أهل للفتوى؟!!!!

لقد ظهرت في الآونة الأخيرة عدّة فتاوي عمّن يدعون أو يدعين بأنهن من "أهل الاختصاص" ولم أسمع ردودا كافية لوقف هؤلاء، بل حتى أنني لم أتوصل بنبأ "تكفير" هؤلاء كما جرت العادة أن يتم "تكفير" النسويات عندما تحدثن عن "تحديد تعدد الزوجات" وعندما طالبن بإلغاء الولاية في الزواج تيمنا بمبدأ أبو حنيفة النعمان وهو حتما من "أهل الاختصاص"...

لقد مللنا من الفتاوى التي لا تهدف إلا لإرهاب النساء والفتيات والحط من مكانتهن...فتاوى لا علاقة لها بالدين، وأنا أعرف بأن كل رجل دين حقيقي سيتفق معي حتما حول ذلك...فتاوى لا تعمل إلا على تشويه الدين ونشر الفزع والرعب، والسؤال المطروح "لماذا؟" و"لصالح من؟"، فعندما تتهم النسويات بأنهن يعملن لصالح الغرب، فمن الأولى أن نسأل لصالح من يعمل هؤلاء المدّعون والمدّعيات ؟

وحتى لا يتم فهمي بطريقة خاطئة، فسأورد اثنتين من الفتاوى واللتان تستحقان التوقف عندهما والرد عليهما:

الفتوى الأولى: الفتوى الخاصة بتحليل "زواج الرضيعة" وهي فتوى صدرت في المملكة العربية السعودية عن أحد المدّعين وتناقلتها وسائل الإعلام، فهل يعقل أن يفتي "عاقل" بزواج الرضيعة، وهل نرضى بأن يتهم الدين بهذه التهمة البعيدة عن العقل والمنطق؟! ولصالح من يتم تشويه الدين؟

الفتوى الثانية: وهي الفتوى التي استفزتني وجعلتني أكتب اليوم، هي الفتوى الصادرة عن "أم أنس" والله أعلم من هي "أم أنس" هذه، والتي لها موقع على الانترنت، والفتوى تقول بتحريم جلوس النساء على المقاعد، لأن المرأة وحد إدعّاء "أم أنس" هذه وعندما تجلس على المقعد قد تترك ساقيها مفتوحين، ونظرا لأن الرجال (حد تعبير أم أنس) هم من الإنس والجان، فقد يقوم رجل من الجان بممارسة البغاء مع هذه المرأة، وتؤكد "أم الارهاب" بأن العديد من النساء وبعد جلوسهن على المقاعد تنطلق منهن روائح كريهة تأكيدا على أن الجان قد مارس معهن البغاء....

أي هراء هذا، وأي إرهاب وترهيب هذا، وكيف يتم تناقل مثل هذه "الفتوى" عبر وسائل الإعلام، وكيف لم نسمع أي رد من "أصحاب الاختصاص" الحقيقيين حتى اليوم؟

هل يعقل أن نترك أناس قد فقدوا المنطق أو تمّ استئجارهم "والله أعلم" لإلهاء الناس بأمور غيبية لا يمكن لها أن تكون حقيقية، ولا يمكن لها إلا أن تزرع الرعب في قلوب الصغيرات "سنا وعقلا"؟؟

في مقالتي هذه سأطالب الحكومات باتخاذ إجراءات جريئة ضد هذه الأمور، في الوقت الذي سأطالب فيه أهل الاختصاص من أجل الدفاع عن سمعة الدين، وسمعة الأمة، وسأطلب من كل عاقل وعاقلة أن لا يخشى أو تخشى من الرد على هذه المهازل، فنحن على الأقل من "أهل العقل" و"أهل المنطق" أوليس الذود عن نشر البدع والأكاذيب شكل من أشكال النضال؟!