تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوضوح على أن "جميع الناس يولدون أحرارا وهم متساوون في الكرامة والحقوق" بيد أنها لا تقول "باستثناء الفلسطينيين" ولكننا، 11 مليون فلسطيني، ندرك جيداً أننا استثناء لهذه القاعدة. و سواء كنا "عرب إسرائيل"، أو "السكان العرب في الأراضي المحتلة" ، أو العرب في الشتات، فليس لنا نفس الحقوق التي "لجميع البشر"، الآخرون لهم الحق في الحياة، والعمل، والأمن، والصحة، والحركة، الديمقراطية، والتعليم، والكهرباء، والماء، والدواء، والغذاء، الحب، الزواج… إلخ.
أي محاولة لفهم الأساس المنطقي وراء محاولات اليمين الفاشي لتمرير القوانين المبالغ في عنصريتها و المعبرة عن حالة واضحة من الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان الأساسية، وهو ما وصفه جيمي كارتر، دزموند توتو، جون دوغارد، وكثيرون آخرون بالفصل العنصري، تواجه عادة باتهامات معاداة السامية، هذا السلاح الذي يستخدم دائما لإسكات الأصوات المطالبة بالعدالة في الشرق الأوسط. إن إمكانية تحقيق العدل والسلام الآن أبعد ما تكون في ظل الحصار المحكم القرن وسطي المفروض على 1،3 مليون من الفقراء المعدمين في غزة، وتقطيع أوصال الضفة الغربية المقطعة أصلا إلى شرائح. قادت إلى استحالة تحقيق الحلم الوطني لثلث الشعب الفلسطيني وإلى إرباك وتعقيد قضية الثلثين الباقيين، وتحديدا، اللاجئون المهجرون اللذين يعيشون في المخيمات البائسة في الدول القريبة والبعيدة واللذين يعاملون كالحيوانات أحيانا، ومواطني الدرجة الثالثة في إسرائيل. هذه هي مكونات الشعب الفلسطيني على الرغم من كل من كل محاولات مهندسي أوسلو خلق وعي وطني محصور في الضفة و القطاع.
ما هي القضية الفلسطينية إذا إن لم تكن حق العودة للاجئين المقيمين داخل فلسطين وخارجها؟ هل هناك احتمال ولو طفيف لإحلال "السلام" في الشرق الأوسط دون حل هذه القضية؟ إذا كان ثمة وسيلة لإيجاد "حل عادل" لا يشمل عودتهم، هل يضمن ذلك سلاماً عادلاً وشاملاً؟ ألا يشكل ذلك انتهاكا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ ولكن للإيديولوجية طريقتها، خصوصا عندما تكون قوية، و تمثل المصالح العنصرية. و هذا بالضبط ما تعبر عنه القوانين المقترحة، أي استمرار لسياسة التطهير العرقي التي أسست عليها اسرائيل.
لقد عرّف البيض مؤسسات الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بأنها ديمقراطية -وإن كانت ديمقراطية بيضاء فقط، أي من البيض ولهم لا لغيرهم. ولكن سكان البلاد الأصليين الأفارقة لم يعترفوا أبدا "بالطبيعة البيضاء" للبلاد. ولم تكن فكرة تعريف البلاد بأنها "بيضاء وديمقراطية" في الوقت نفسه مقبولة من قبل المجتمع الدولي. واعتبرت تلك رؤية عنصرية سافرة. وخلافا للفلسطينيين، فقد اعتبر الأفارقة السود من البشر، وبالتالي، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينطبق عليهم.
ما يعنيه تحديدا الدعوة للاعتراف بإسرائيل "كدولة يهودية" هو: تجاهل قضية حوالي 5 ملايين لاجئ منتشرين في جميع أنحاء العالم نتيجة لعملية التطهير العرقي التي صاحبت إنشاء دولة إسرائيل؛ وتناسي الحقوق الثقافية الوطنية ل 1،3 مليون فلسطيني يعيشون في إسرائيل كمواطني درجة ثالثة. ووفقا لهذه الصيغة، فإن الفلسطينيين هم فقط أولئك الذين يعيشون في قطاع غزة والضفة الغربية.
الصراع في الشرق الأوسط، لمن لا يعرف، سوف يحل بمنح علم وثلاث أو أربع بانتوستانات مبتورة، مع زعيم لكل بانتوستان، أو لها مجتمعة، يمكننا أن ندعوه رئيساً. أما غزة فليبرمان يقترح منحها "الاستقلال الكامل"! و نحن مشغولون إما بتحضير أكبر طبق مسخن تحت إشراف جنرال أمريكي, أو بمنع النساء (فقط!) من تدخين الشيشة! من منا يتذكر تقرير جولدستون الآن؟ و من منا استثمر الغضب الدولي الهائل بعد مجزرة أسطول الحرية؟
فلماذا إذن كل هذا الغضب المزيف من محاولات الكنيست الاسرائيلي تمرير قوانين عنصرية؟ هناك قضايا ملحة أخرى علينا التعامل معها، فقد تكون معركتنا القادمة أكبر فنجان كباتشينو و منع النساء من قيادة السيارات حفاظا على عاداتنا الأصيلة!
* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. - haidareid@yahoo.com