فاجأت الحوارات التي جرت في دمشق نهاية الشهر الماضي والمتوقع استئنافها في العشرين من الشهر الجاري، كل الأوساط الرسمية والشعبية ذات الاهتمام والمصلحة، قيل في أعقاب الجولة الأولى من الحوارات، أنها أنجزت في بضع دقائق تفاهمات لم يكن بالمستطاع إنجازها طيلة الأعوام السابقة من عمر الأزمة والانقسام في الساحة الفلسطينية. لهذا؛ انتشرت بكثرة في الأوساط الشعبية الفلسطينية عبارة "ما عدا ما بدا".

الرأي العام الشعبي الفلسطيني انقسم في تقييمه للخطوة، ما بين متفائل بجدية الحوارات وإمكان توصلها إلى مصالحة، فيما القسم الآخر اعتبرها مجرد حوارات تكتيكية يحتاجها كل طرف من أطراف الحوار "الانقسام" ولأسباب تختلف بين فريق وآخر، كل بحسب موقعه، وكل بحسب رؤيته لدوره في الخارطة السياسية القادمة، والتي لا يختلف أحداً على خطورتها وحساسيتها ونتائجها المفتوحة على خيارات، تشير معظم المعطيات أنها خيارات تنبئ بانفجار المنطقة تحديداً بعض أقسامها في دوامة الفتنة وربما أكثر من ذلك.

الأوساط السياسية الفلسطينية انقسمت هي الأخرى في تقييمها وتحليلها لهذه الحوارات، وإن غَلُبَ على هذه الأوساط طبيعة اصطفافاتها الفلسطينية والإقليمية والدولية.

فالبعض رأي وبالأدق "أشاع" أجواء التفاؤل ولا سيما حلفاء فريق السلطة، في حين رحّب الآخرون بها، وإن من أرضية دبلوماسية، لكنهم بالجوهر يعتقدون أنها حوارات تكتيكية تسعى إلى تعزيز حضور كل طرف وتقوية أوراقه ضمن إطار أجندته الخاصة. أما أطراف أخرى والمحسوبة ضمن إطار تحالف أحد الفريقين، فقد هاجمت علناً وسراً هذه الحوارات، ووصلت إلى حد وصفها بتغطية فريق لخيارات سياسية للفريق الآخر، لا تحظى بالإجماع الشعبي الفلسطيني.

وهنا يتساءل المراقبون ما إذا كانت هذه الحوارات وعلى الرغم من مكان انعقادها، تحظى برضى وقبول إقليمي معين، أما أن التصريحات المرحبة ما هي إلا لياقة دبلوماسية، لكنها لا تعكس بالضرورة المواقف الفعلية، سيما في منطقة تشهد أوسع عملية استقطاب في ساحات مختلفة، من العراق إلى لبنان وغيرهما ... يعتقد المراقبون أن عدم جدية الحوارات والتشكيك بالنتائج من الوصول إلى المصالحة، تكمن في أن المتحاورين لم يتطرقا لأي من المواضيع السياسية، بما ينبئ بأن كل طرف لا زال في مربعه السياسي، وبالتالي مُصِرّ على المُضيّ بخياره الأحادي، بعيداً عن الخيار الواحد للشعب الفلسطيني المتمثل بالمشروع الوطني وآخر تطويراته "وثيقة الوفاق الوطني". وكما أشارت وسائل الإعلام والمعلومات المتواترة من قاعة الحوارات والمواكبة لها، أن الحوارات تركزت على قضايا تقاسم النفوذ في ملفات معينة "المنظمة، الحكومة أو لجنة التنسيق، القوى الأمنية"، وهو ما يعزز الاعتقاد أن التفاهمات التي حصلت، والتي نقلتها وسائل الإعلام، وإن بقراءة مختلفة لكل من الفريقين ما هي إلا كسباً للوقت، سيما أن القراءات المختلفة تنذر إما بإدامة الحوارات لفترة طويلة، وأما في حال التوقيع على الورقة المصرية من قبل حماس، بمواصلة الحوار الثنائي على تفاصيل التفاهمات وهو ما يعني عملياً إبقاء الوضع على ما هو عليه من انقسام واقعي، وهدر إضافي للوقت، لكن بلهجة إعلامية أخف لتظهير الخلافات وتحسن في عملية التواصل الجغرافي والإنساني بين المنطقتين.

السؤال الأهم إن كانت المصالحة وهي سياسة بالأساس ليست عنواناً للحوارات، فما هي المصلحة لكلا الفريقين لاختراق جدار الخلاف والانقسام، والشروع بعملية الحوار.

من ناحية السلطة الفلسطينية، لا يخفى أن المفاوضات وبالطريقة التي تدار بها، وبالضعف الواقعي والمستمر للطرف الفلسطيني، وانعدام شعبية التأييد لهذا الخيار "ثلثا الشعب الفلسطيني كما تشير مراكز استطلاع الرأي العام لا يؤيدونها"، تحتاج إلى أوكسجين فصائلي وشعبي لتعزيز مواقعها وإظهارها في موقع المتحدث (الواقعي لا الرسمي) للشعب الفلسطيني، سيما في ظل إشارات إسرائيلية وغيرها تشير إلى أن المفاوض الفلسطيني لا يمكن الركون لاعتماده شريكاً حقيقياً، لكونه لا يمثل الغالبية، سيما أن موضوع اللاجئين حاضر وبقوة على طاولة المفاوضات، وجلهم يعيش خارج إطار المناطق المحتلة، عملياً لم يشارك في انتخابات السلطة، سواء الرئاسية منها أو التشريعية.

أما المسألة الثانية؛ شديدة الارتباط بالأولى، إضافة إلى عوامل أخرى تتمثل بالسعي الحثيث للسلطة، للامتداد الجغرافي والوطني باتجاه قطاع غزة، وإعادة الاعتبار لنفوذ السلطة وحزبها الرئيس حركة فتح في الأوساط الشعبية الغزاوية.

تبقى مسألة في غاية الأهمية، تتناولها أوساط عديدة رسمية وإعلامية بشكل صريح، وهو رفع الفيتو الأمريكي عن الحوار والمصالحة مع حركة حماس، لكن ضمن إطار السياسة العامة للسلطة، وهو ما يعني بالجوهر الالتفاف على شروط الرباعية للحوار والاعتراف بحركة حماس، وأن المبادرة للحوار تأتي ضمن هذا السياق، وهو ما تلقفته حركة حماس لجهة تعزيز حضورها الدولي وفتح كوة للاعتراف بها شريكاً وإن عن بُعد في العملية التفاوضية.

من ناحية حماس؛ فإن الحوار يفيدها على أكثر من جهة، ولا سيما بعد سنوات الحصار الإسرائيلي على غزة، والتعقيدات في العلاقات المصرية ـ الحمساوية، والتشديد المصري على مراقبة عملية العبور، سواء عبر معبر رفح أو العبور غير الشرعي عبر الأنفاق. ما من شك أن الحصار من جهة، والتشديد المصري من الجهة الأخرى، أحدث تذمراً شعبياً يتأهل يوماً بعد يوم للتحول إلى ضغط فعلي وعملي على سلطة حماس في غزة، وهذا ما يعزز خط الوسط لدى أوساط حماس، بتحسين العلاقة مع المصريين لتخفيف وطئة الحصار، ومن الجهة الأخرى لا يؤدي إلى تسليم كافة الأوراق من خلال مصالحة جدية.

وهو ما يؤكد أن هذه الحوارات هي خط وسط، ما بين المصالحة التي ترفضها قيادات أساسية في حماس ولا سيما في الخارج، وواقع الانقسام والطلاق الحالي. وفي هذا الصدد يتوقع عدد من المراقبين أن توقع حركة حماس على الورقة المصرية، حال التوصل إلى تفاهمات مبادئ عامة مع حركة فتح في المواضيع التقاسمية السلطوية، على أن تلي ذلك فترة طويلة من الزمن لتحويل هذه التفاهمات إلى وقائع على الأرض، أو انفجارها من جديد. وفي السياق ذاته؛ تتوقع حركة حماس، أنه في ظل الحوار الحالي والمتوقع من حوارات لاحقة، أن تخف الضغوط الأمنية على وجود حماس في الضفة، مما يتيح لها تعزيز وجودها، دون الطموح إلى المشاركة في القرار السلطوي هناك.

إن ما يعزز ذهاب حماس إلى الحوار، ركونها إلى سيطرتها على الإطار المؤسساتي على الأصعدة كافة، ولا سيما الأمنية والاقتصادية في قطاع غزة، منذ انقلابها الشهير حتى الآن، وأن السماح بمشاركة ما في إطار هذه المؤسسات لا يؤثر على وضعها القيادي فيها، ومن الجهة الأخرى يريّح الوضع الشعبي المتململ ويخفف من إمكانية انفجاره بوجه سلطة وحكومة حماس، سيما بعد الإجراءات المتواصلة لحمسنة المجتمع من خلال سلسلة القوانين والممارسات، والتي أصبحت عرفاً.

طموح الأمريكيين وجهات دولية وعربية عديدة، في إطار ما بات يعرف "بالحرب الباردة" بين محوري "الاعتدال والممانعة"، ما يتمثل باستقطاب أي دولة أو قوة ذات أهمية وانتقالها من معسكر الممانعة إلى معسكر الاعتدال، حركة حماس التي يبدو أنها تلعب على هذا الوتر لكسب مزيداً من النقاط لصالحها، ترى بهذه العملية "الوقت" فرصة للنأي بنفسها عن أي فتنة مذهبية متوقعة قادمة، وتعطي لنفسها المجال لتحدد خياراتها اللاحقة. ما يجري هو حوار مصلحة لا حوار مصالحة، فالمصالحة تبدأ وتنتهي بالسياسة والتمسك بالمشروع الوطني، وباقي ذلك تفاصيل ...