فيما يتعجل الأبناء الولوج إلى عالم الكبار، مصرين على استبعاد أيام الطفولة من ذاكرتهم؛ تبقى تلك الأيام طازجة في مخيلة الأمهات والآباء. يعيشونها، ويتبادلون أدق تفاصيلها، وكأنها تحدث أمامهم في الحاضر. يتوقف الزمن، وتعود عقارب الساعة إلى الخلف، ويخرج الأطفال من معطف الشباب والشابات، يغمزون بعيونهم البريئة؛ لتطل لقطات مميزة تعشعش في الذاكرة.
وفيما يقف شادي/ الشاب، ليتسلم شهادة الماجستير، في إدارة الأعمال، من الجامعة الأمريكية في الشارقة؛ تومض وقفته الأولى، بسمته، وكلماته، وأغنيته، ودرسه الأول:
وقفة شادي مع والده، على جسر الملك حسين، أواخر السبعينيات، منتظراً دخوله إلى أرض الأحلام: فلسطين، حيث جابه صدمته الأولى، ودرسه الأول، حين رفض طلب الإسرائيليين، انتزاع حذائه الطبي الجديد منه، لفحصه، والتأكد من خلوِّه مما يهدد أمنهم؛ الأمر الذي جعلهم ينتزعونه من قدمه، وجعله يصرخ في وجوههم: بوتو، بوتو. ولا يكف الطفل عن الصراخ، حتى يفرج عن حذائه، ويضعه في قدمه.
أغنيته الأولى، من كلمات فدوى طوقان، وألحان الشيخ إمام، والتي كان يردد جزأها الأول، أو جزأها الثاني، حسب السياق. فإذا بادرته بالقول: لينا لؤ، يكمل: لؤلؤة حمراء، وإذا أكملت: تتوهج في عقد؛ يجيب: الشهداء الشهداء:
"لينا لؤلؤة حمراء
تتوهج في عقد الشهداء
لينا غنوة حب وفداء
تعرفها أرض فلسطينا".
وقفته في القاهرة صغيراً، مع "رندة حبيب"، ضمن كورال أطفال "عباد الشمس"، ليغنيا أغنية "هبت النار"، ويرددها الكورال خلفهما:
"هبت النار والبارود غنى
أطلب شباب يا وطن واتمنى
هبت النار من عكا للطيرة
وكمشة ازغار ربيوا عالحصيرة
وهيْ صاروا كبار وما نسيوش الديرة
ومين اللي ينسى فلسطين الجنة".
وقفته في القاهرة شاباً، مع كورال شباب "عباد الشمس"، ليستمر في الغناء ضمن الفريق، والتحاقه بفريق الدبكة الفلسطينية، في الجامعة الأمريكية في القاهرة، بالإضافة إلى انضمامه لعضوية نادي القدس، والنادي الهندسي في الجامعة.
تسجيله في الاستوديو، مقطعاً من قصيدة "محمود درويش": "ونحن نحب الحياة"، لتصاحب اللحن الذي غناه فريق الكورال، ضمن شريط "وطني يعلمني":
"ونزرع حيث أقمنا نباتاً سريع النمو
ونحصد حيث أقمنا قتيلا
أيها البرق أوضح لنا الليل أوضح قليلا
نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا".
تميزه في دروس الرسم، وحصوله على جائزة تقديرية، ضمن مسابقة للأطفال العرب في الرسم، والتي شارك فيها في إطار نشاطات اللجنة الثقافية، لاتحاد المرأة الفلسطينية في القاهرة.
التحاقه بفريق الكاراتيه، بنادي الجزيرة الرياضي في القاهرة، وتدرجه في الحصول على أحزمة الرياضة: من الأبيض إلى الأصفر إلى البرتقالي إلى الأخضر إلى الأزرق إلى البني إلى الأسود.
استعداده وتمريناته المكثفة، وتأهيله للاشتراك ببطولة الكاراتيه، لجمهورية مصر العربية، ثم صدمته الكبيرة، ودرسه الثاني، حين نودي على اسمه، لإخراجه من المسابقة، بسبب جنسيته غير المصرية.
تميزه في دراسته الجامعية للهندسة المدنية، وطموحه الكبير لمتابعة دراسته العلمية، والاستفادة من التطورات العلمية والثقافية، فيما يعزز مهاراته ويصقلها.
****
في هذه الأيام الحالكة السواد، يرتفع صوت شادي الشاب بالغناء، من كلمات صلاح جاهين، ومع فريق "كورال عباد الشمس":
"يا أرضنا المسجونة سجنك رح يزول
شعبك على الأبواب مسلَّح بالأمل
كلمة فلسطين زي دقات الطبول
بتدوِّي وتحمِّس وتدفع للعمل
راجعين بقوة الكفاح
راجعين نحرر الحمى
راجعين كما رجع الصباح من بعد ليلة معتمة".
*****
الطفل الشاب الرجل، أيا زهرة القلب؛ هلاً رفعت رأسك صوب الشمس، وحرست سلاح الأمل؟!
*****
زلزلْ أركانَ الدنيا يا عبادَ الشمس
وليعلُ صوتك
ولتبحثْ عن صلة الوصل المقطوعةِ
عن أصلِ الأشياء
دُقَّ الأرضَ بأقدامِك
ولتُسمعْ كلَّ الدنيا نَغَماتك
ثَبِّت أقدامَك بالجذرِ
وعانقْ شمسَ حياتِك