في البداية انشغلت وسائل الاعلام بذلك: قادة فرق مدرعة ترعرعوا في صفوف سلاح المشاة لم يقوموا باحداث تحويل في المدرعات كما ظهر من خلال التحقيقات التي جرت، والنتيجة كانت: فشل في استخدام القوات المختلطة من اسلحة مختلفة إبان حرب لبنان الثانية. مراقب الدولة سارع الى نشر تقرير قبل نصف عام أكد بالواقع التحقيقات الصحفية التي نشرت حول ذلك. كما أن رد فعل الجيش الاسرائيلي كان سريعا: قادة الفرق هؤلاء وغيرهم استُدعوا لاجتياز دورة قادة فرق. أمس الاول نشر تقرير جديد من قبل لجنة فرعية منبثقة عن لجنة الخارجية والأمن في الكنيست حول وجود نواقص وإخلالات في اعداد المستوى الأعلى من الضباط. من المفترض أن يتم تأسيس كلية للدراسات العسكرية من اجل التغلب على هذه النواقص وغيرها.

الاعداد بالفعل، وخصوصا على مستوى القيادة العسكرية العليا، ليس مُرضيا أو كافيا. إلا أن التشبث به يفتقد الى التناسب المطلوب ويتجاهل الاسباب الحقيقية التي أدت الى النتائج الرديئة التي شاهدناها في ارض المعركة في لبنان. اللجنة ايضا تذكر بأن اعداد الضباط حتى مستوى قائد الكتيبة، جيد، وجزء ملموس من قادة الألوية هم من خريجي دورة قادة الألوية، كما أن لدينا كلية للأمن القومي.

وبما أن الجيش الاسرائيلي لم يقاتل بقوات كبيرة خلال حرب لبنان البرية، ودخلها في أقصى الاحوال بحجم كتيبة، كان واضحا جدا أن هناك اسبابا قيمية على مستوى الوعي والنظرية وراء ذلك وليس اسبابا مهنية فقط لكل ما حدث في الشمال. في حرب لبنان الثانية فشل قادة كبار، تعلم الكثيرون منهم في الاكاديميات العسكرية في اسرائيل وامريكا، في مواجهة ثلة من القادة الميدانيين التابعين لحزب الله الذين تعلموا خلال الاستكمال في ايران كيف يقودون كتيبة في أقصى الاحوال.

جزء من قادة الجيوش العربية في حرب التحرير كانوا من خريجي الاكاديميات العسكرية، خاصة البريطانية. في المقابل كان قادة البالماخ ومن ثم الجيش الاسرائيلي في حينه، من خريجي دورات على مستوى قائد فصيل. دافيد اليعيزر (دادو) ترقى في الحرب من دون اعداد رسمي من قائد صف الى قائد كتيبة. هؤلاء القادة تغلبوا وتفوقوا بصورة كبيرة على خريجي الاكاديميات العسكرية لخمس دول عربية، الذين كانوا على رأس الجيوش النظامية المزودة بأسلحة تفوق سلاح الجيش الاسرائيلي بعشرات المرات، والذي كان يمتلك بالأساس اسلحة تقنية فردية. سلاح الجيش الاسرائيلي الأساسي كان الروح الرفاقية والثقة بالحق والعدالة والاستعدادية للتضحية.

قبل شهر عُقد في كيبوتس سديه الياهو مؤتمر على شرف الرائد نداف ميلو، الذي سقط قبل عشر سنوات في عملية عسكرية في لبنان. أحد رفاقه، وهو قائد كتيبة في الاحتياط، حدّث خلال احدى المجموعات أنهم كانوا يقولون لهم قبل الخروج الى المعركة انه اذا أصيب أحد من بينهم فان المهمة تعتبر فاشلة. ضابط آخر من وحدة مختارة لم ينف تلك الظاهرة. صحيح أن أمورا كهذه لا تُقال عندنا، كما حاول ذلك الضابط تهدئة السامعين المنفعلين الذين تربوا على اخلاقيات وقيم مختلفة، إلا أنهم يسمحون لنا ايضا أن نفهم بأنه ليست كل مهمة تستوجب التضحية.

نظرية الأمن التي اختطها دافيد بن غوريون قررت بأن على الجيش الاسرائيلي أن يحسم كل معركة، ومن الأفضل أن يكون ذلك على ارض العدو، هذا ما حدث حتى حرب يوم الغفران. طالما كان الجيش الاسرائيلي هو الفاعل والمتحرك، استطاع أن يحسم المعركة. منذ حرب لبنان الاولى، وخصوصا في الحرب ضد الارهاب، أهمل بعض قادته الكبار قيمة "الحسم" و"الانتصار" وتبنوا فلسفة سياسية في أساسها تسمى "ادارة المعركة من خلال الاحتواء"، الادارة والاحتواء وليس الانتصار.

عندما لا يكون الهدف هو حسم المعركة لن يكون هناك انتصار ايضا. عدم السعي للتصادم مع العدو وصولا للحسم ليس نتيجة ناجمة عن نقص في التعليم العسكري كما تبُرهن حرب الاستقلال في السابق. هذه مسألة نابعة من قلب القيم التي آمن بها كبار الضباط في الماضي، رأسا على عقب. ضباط اليوم الكبار يقومون بنقل هذه الحقائق المقلوبة الى من هم تحت إمرتهم. - هآرتس 5/7/2007 -