لمدة ثلاثين سنة ويزيد عمل ياسر عرفات بلا نجاح من اجل "تدويل النزاع" بين اسرائيل والفلسطينيين. كان أمله أن يُستعمل وجود دولي لقوات جيش اجنبية في قطاع غزة وفي يهودا والسامرة أداة ضغط في يديه للتضييق على خطوات اسرائيل العسكرية والسياسية.

رأت اسرائيل اجراءا كهذا شرا كبيرا لعدة اسباب: فوجود قوات كهذه يُقيد بالضرورة حرية العمل التنفيذية لاسرائيل، وبخاصة في المجال الحاسم للقدرة على محاربة الارهاب. يقتضي نشر قوة دولية تحديد خطوط انتشار، وهذه قد تُستعمل أولا لتخطيط حد مؤقت بل نهائي لاسرائيل قبل أن يُجرى تفاوض سياسي واسع النطاق بين الأطراف. رأت اسرائيل مجرد استدعاء قوة دولية اشارة الى ضعف وكأن ليس الجيش الاسرائيلي قادرا على الدفاع عن الدولة وعن مواطنيها بلا مساعدة قوات عسكرية من الخارج. وانه ما من أحد سوى مؤسس الدولة أقر قاعدة أن اسرائيل لا تريد أن يهب جندي اجنبي نفسه في الدفاع عن دولة اليهود.

مع السنين وافقت اسرائيل على اقامة قوات اجنبية من اجل تحديد خطوط فصل بين المتحاربين. وهكذا وُلدت قوات الامم المتحدة التي أُقيمت في قطاع غزة بعد الانسحاب الذي فُرض على اسرائيل بعد عملية سيناء قبل نحو من خمسين سنة. كان هذا هو التسويغ والخلفية ايضا لانشاء قوات من الامم المتحدة تجاه لبنان وتجاه سوريا، وكان هذا منطق اقامة القوة متعددة الجنسيات في سيناء بعد التوقيع على معاهدة السلام بين اسرائيل ومصر.

على امتداد الأجيال أُقر عدد من القواعد الأساسية في اجراءات الجهاز: احداها، أن من يأمل وقف اطلاق النار، يصرخ على رؤوس الأشهاد أنه هو المغلوب. هكذا، لا خلاف ذلك، يجب أن نُفسر توسل الايرانيين في اثناء حرب لبنان لوقف اطلاق النار. لم يعلن أحد سوى رئيس ايران بجلاله في مؤتمر رؤساء الدول الاسلامية الذي عُقد في تلك الايام في ماليزيا، أن هدفه بقي القضاء على اسرائيل بيد أنه "يجب إتمام وقف لاطلاق النار في هذه الاثناء".

بموازاة ذلك صيغت سياسة اسرائيلية جديدة في كل ما يتعلق بوجود قوات دولية في مناطق المعارك: فلم يعد الحديث عن اقامة قوات تحجز بين المتحاربين، بل عن قوة ذات جدوى ولها مهمات "تنفيذية"، مثل المساعدة على تجريد حزب الله من السلاح. كانت الرسالة واضحة – طلبت أمم العالم القوة الدولية بواسطة قرار لمجلس الأمن، من اجل فعل ما لا يستطيع الجيش الاسرائيلي فعله أو لا يريد ذلك. وهكذا عندما سُئل رئيس الحكومة ألا يخاف وضعا يطلق فيه جندي الماني النار على قوة اسرائيلية، أجاب انه لا يوجد خوف كهذا لان هذه القوة مخصصة "للدفاع عن اسرائيل". أحقا – هل للدفاع عن اسرائيل؟.

في أثر انهيار السياسة المشتركة للولايات المتحدة، ولاسرائيل وفتح في غزة وسقوط القطاع في يد حماس، يُطرح من جملة ما يُطرح اقتراح اقامة قوة دولية هناك. ما هي مهمات القوة؟ "أدفع" حماس عن اسرائيل؟ أمنع اطلاق صواريخ القسام وصواريخ أكثر دقة وفتكا على اسرائيل؟ أمحاربة حماس الى جانب الجيش الاسرائيلي أو بدل الجيش الاسرائيلي والقضاء عليها؟ واذا أُقيمت قوة كهذه، فمتى ستُقام قوة شبيهة بها في يهودا والسامرة؟.

الوضع أكثر تعقيدا مما كان وهو يقتضي تحليلا عميقا ورؤية للأمد البعيد. أظن وزير الدفاع اهود براك سيقوم بجميع الاستيضاحات المطلوبة ويوافق على سياسة ستأخذ في الحسبان جميع الزوايا وجوانب النظر للوضع الذي دُفعت اليه اسرائيل في اثناء سنة العذاب الغابرة. - يديعوت 18/6/2007 -