انتهت الحرب الأهلية القاسية في قطاع غزة. حُسم الصراع بين أفراد حماس ومؤيدي فتح بانتصار الأولّين، وأكمل هؤلاء سيطرتهم على منطقة القطاع كلها. يجب على جميعهم أن يدعوا الله الآن "أن تنقضي الحرب ولعناتها وأن يحل أمل جديد وبركاته". يمكن، وأقول هذا بحذر شديد، أن تفضي المعركة التي انتهت الى بشرى ايجابية على نحو خاص. بشرى ايجابية للفلسطينيين، وبشرى ايجابية لنا ايضا، لاسرائيل. التطور في الاتجاه الايجابي مشروط بنا بقدر كبير ايضا.

تم انجاز حسم في قطاع غزة. توجد هناك اليوم سلطة مركزية قوية لا يوجد عليها مُعترض. لكنها ايضا سلطة ستخطط مصير الفلسطينيين في المستقبل. لا ينبغي لنا أن نكون مفاجئين مما حدث. توقعنا هذا قبل سنة ونصف، عشية الانتخابات العامة للمجلس التشريعي الفلسطيني، ورأينا ذلك في النصر الواضح والديمقراطي في الانتخابات، ورأينا ذلك عندما فشلت السياسة التي قادتها القدس منذ ذلك الحين لفرض قطيعة وحصار على حكومة حماس، آملة أن نُبعد عنها مشايعة الجماهير.

انتصرت حماس، لكن مشكلاتها لم تنقضِ بذلك. يجب على من يسيطر الآن على دولة القطاع أن يواجه اربع مشكلات حالية: الاولى، والمباشرة، فرض سلطة القانون في الشارع الغزي. وإبعاد المسلحين والسالبين وانجاز تهدئة.

والثانية، وهي أهم من كل شيء، المسؤولية عن تصريف حياة السكان المحليين، المسؤولية عن حياة 1.5 مليون من السكان. ليست الايديولوجية هي التي ستقرر هنا بل الجغرافيا. لا يوجد حل المشكلات المحلية في الأصولية الاسلامية أو في التحريض الايراني. يُتطلب اجابة فورية للمشكلات اليومية – التزويد بالماء، والربط بالكهرباء، ومصادر الطاقة، والغذاء والأدوية بالطبع. وما زلنا لا نتحدث عن تجديد خروج العمال للعمل في اسرائيل. لا يوجد حل لكل ذلك سوى محادثة اسرائيل.

والثالثة آثار انتصار حماس على استمرار الكفاح العنيف. تغير وجه الاشياء بين عشية وضحاها، ونجد في القطاع سلطة مركزية وتركيزية. لن يكون في امكان القيادة المحلية أن تزعم مرة اخرى "أننا لا نعرف من فعل ذلك، وعلى أية حال لا توجد لنا سيطرة عليه". لا يوجد حل للمشكلات العملية سوى وقف العنف، بالعودة الى فكرة الهدنة الطويلة الأمد. يجب على هذا الوضع أن يُغير من الأساس ايضا سياسة أمن اسرائيل نحو القطاع. يواجهنا عنوان واضح، تمكن محادثته ويمكن امتحانه ويمكن تهديده وضغطه وقت الحاجة.

والمشكلة الرابعة مستقبل العلاقات بين قيادة القطاع والقيادة الفلسطينية في الضفة. طلب أفراد حماس التحرر من اجهزة فتح في غزة، لكنهم لا يُثيرون في بالهم أن ينفصلوا وأن يُقيموا "دولة حماس" مستقلة في غزة. من الممكن أن نرى الآن خاصة التحادث السياسي بين الفصيلتين الفلسطينيتين، وستريدان الآن خاصة وستستطيعان ايضا اجراء تفاوض في اتفاقات سياسية مع اسرائيل.

أعلم أن هذا تنبؤ متفائل، وأنها محاولة للكشف عن الخير في لعنة الحرب التي رأيناها في الاسابيع الأخيرة. لا ننسيّن للحظة أنه قد كان لاسرائيل ولسياستها ولاخفاقاتها، إسهام لا يُستهان به في فوز حماس في القطاع. وفي المستقبل ايضا القرارات التي ستتخذ في القدس – السياسية والعسكرية والمدنية – الاخلاقية – ستؤثر في قيادة القطاع في المشاكل الاربع التي ذكرناها. ستخطيء اسرائيل خطأ كبيرا اذا تمسكت بالخط الذي أخذت به في السنة ونصف السنة الأخيرين. لا ينبغي أن نعتمد على قيادة وعلى حركة فلسطينية خلّفها المستقبل وراءه.

وملاحظة اخرى، لا نوهمّن أنفسنا أنه يمكن إرجاع عقارب الساعة اربعين سنة الى الوراء. لن تعود الضفة الغربية الى سيطرة الاردن، ولن يعود المصريون للسيطرة على قطاع غزة. سنضطر الى إخراج حبات الكستناء من النار بأيدينا. - معاريف 18/6/2007 -