في الصباح الباكر، ومن قبل أن يتمكن اهود اولمرت من الجلوس على كرسي الضيف في البيت الابيض، استطاع عدد من شركائه في الرحلة قراءة مقالة المستشرق المعروف فؤاد عجمي في صحيفة "نيويورك تايمز"؛ بعضهم هز رأسه آسفاً. "من المغري دائما البحث عن الخلاص إبان حدوث المأساة"، كتب العجمي متطرقا الى خطة "التمييز" بين غزة والضفة، "ولكن هذا وهْم في حالتنا".
هذا الوهْم انخرط بصورة طبيعية في الصيف القائظ الذي وجده اولمرت بانتظاره في واشنطن. هو كان الوقود المحرك للزيارة، ولكن من المشكوك فيه اذا كان يستطيع البقاء أبعد من فصل الصيف.
"من الواضح أن القادة الفلسطينيين سيواصلون القول بأن الوطن الفلسطيني ليس قابلا للتقسيم"، كتب السفير الامريكي السابق ورئيس مركز "سابان" حاليا، مارتين انديك. إلا أن هذا ليس ما يقولونه في الغرف المغلقة. عباس في هذه المرحلة تنازل عن غزة ومشكلاتها وسلّم أمر الاعتناء بها لبقية العالم.
ليس لأنه لم يكن أمامه مفر، وليس لعدم وجود حلول يمكن اقتراحها. ربما في الخريف. لدى بوش شكوك كثيرة بصدد عباس وبصدد احتمالية اعادة إحياء السلطة الفلسطينية. ولكن بوش صبور، وقد قرر بأن الصراع حول الشخصية الفلسطينية المستقبلية ليس إلا قطعة في لوحة بازل كبيرة ومعقدة. عودته الى رسم الخط الواضح أمس الاول، لم تكن عبثية: من العراق الى لبنان، ففلسطين. عباس وفقا لبوش ليس مجرد رئيس فلسطيني براغماتي يقف في معركة مرهقة لتأهيل واصلاح شعبه، وانما هو أحد السدود التي تقوم بمهمة كبح تفشي التطرف في الشرق الاوسط.
يتوجب الاصغاء لبوش باهتمام كبير: رؤياه الحقيقية ليست اقامة الدولة الفلسطينية – وانما اقامة الدولة الفلسطينية الصحيحة. كما أن فهمه لأطراف الخلاف ونتائج الخلاف لم يتغير: ليس الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني هو الذي يُغذي المتطرفين، وانما المتطرفون هم الذين يُشعلون الصراع. وهم لن يكفوا عن ذلك الى أن تتم هزيمتهم – في العراق، لبنان، فلسطين فايران فسوريا وأخيرا افغانستان.
بوش توقف على ما يبدو منذ زمن عن التفكير المرهق حول وضعه في نظر الرأي العام. هو يفكر لمدى جيل أو اثنين، ويتصور المنطقة بعد خمسين عاما. هذه نظرة من الأعلى للواقع، إلا أنها تنطوي على خطر تجاهل مشاكل الحاضر وصعوباته وحياة الفلسطينيين اليومية الذين يفرون نحو حاجز إيرز، والذين لا يملكون خمسين عاما ولا حتى خمسين دقيقة من اجل الانتظار. ومع ذلك، سيكون عليهم أن ينتظروا على ما يبدو.
في الادارة الامريكية يسمعون الانتقادات حول سلوك الرئيس في الساحة الفلسطينية، واحيانا يسخرون من التناقضات التي تظهر في هذا الأداء. فهل يُعتبر بوش مذنبا لانه قبل وجهة نظر اريئيل شارون وأيد فك الارتباط عن غزة من دون مفاوضات مع السلطة، أم أنه مذنب لرفضه موقف شارون وسماحه بمشاركة حماس في الانتخابات؟ بوش لا يرى جدوى من مراجعة هذه القرارات التي صدرت في الماضي، ذلك لأن المستقبل أصبح هنا، مُرتديا قبعة سوداء وبيده بندقية. - 21/6/2007 -