شاخ الاحتلال، وشاخ معه الاحتجاج. كان يمكن أن نرى ذلك في يوم الجمعة الماضي في الحدث الاحتفالي لمنظمات حقوق الانسان ونشطاء السلام في ميناء تل ابيب. كانت هناك نساء جميلات في صنادل شابت شعورهن، وبالغون خطوا رويدا في قمصان لشبان، وامرأة أحاطت نفسها بسلك رمزي. في ذلك الحين حقا تشاجر الاولاد، في الثلاثين من أعمارهم، على كل طاولة فارغة في المقهى في "بازل". فهم يرون أن اتخاذ موقف سياسي، ولن نتحدث عن احتجاج، إضاعة للوقت. ولد أبناء جنود تلك الحرب ليصبحوا مُحتلين. في العالم الذي يوجد فيه محتلون وواقعون تحت الاحتلال، يفضل أن تكون محتلا. لانه يُعتاد الأمر في النهاية، وكان يوم الجمعة الأخير يوما جميلا حقا مع درجات حرارة معتادة في مثل هذا الفصل.
كانت الحادثة في الميناء واحدة من كثيرات فقط تذكارا لمرور اربعين سنة على الاحتلال. الاحتلال؟ على نحو غريب قليلا تناولت أكثر الأحداث هذا الاسبوع الاحتلال خاصة. لا العودة الى ارض الآباء أو تحرير اراضي الوطن. أهمل بعضهم في القسم القومي، أو لم يتنبه الى التاريخ. إن اربعين سنة من حياة الانسان مدة طويلة، طويلة بقدر كافٍ ليحتار هل من الصحيح أصلا أن يحتفل بها أو أن يُهملها. تركوا الحرب هذا الاسبوع وتحدثوا عن الاحتلال. وبين ذلك نسوا الأمل الكبير الذي كان وتلاشى.
يصف يغئال سيرينا في كتابه "شاهد ملكي" نزهة عائلية في سيارة صغيرة الى المناطق، في الايام التي لم يكن فيها السفر العائلي الى المناطق يشبه نزهة ليلية في الهارليم. يكتب "فُتحت مساحات شاسعة من ارض غير معروفة أمامنا". اربعون سنة وقت طويل. قبل اربعين سنة أعطوا مجموعات صور النصر في الحرب كهدية بلوغ الطفل اليهودي سن البلوغ، بعد ذلك بعشر سنين طُرحت مجموعات الصور في الشارع وتُعد اليوم شيئا يجمعه المهتمون بالجمع.
مثل مجموعات صور النصر، علت الكلمات والشعارات ايضا وهبطت عن خريطة الحوار العام. يذكر سيرينا "ارض محررة لن تُعاد" للسياسي القديم اليعيزر شوستيك، وايضا "الاحتلال الذي لا مناص منه ايضا هو احتلال مُفسد"، للأديب الشاب عاموس عوز. كم يبدو بعيدا اليوم الجدل المر في "المناطق المحررة" أو "المناطق المستولى عليها". تحدث قليلون فقط عن الاحتلال نفسه. لم تُسمع كلمة "احتلال" تقريبا في مؤتمر لتذكر الحدث في فندق "متسودات دافيد" في القدس، كان عنوانه "حق اسرائيل في حدود آمنة".
لم يُذكر في عنوان المؤتمر النصر الكبير، بل سطر من قرار الامم المتحدة 242 الذي اتخذ بعده، والذي يتحدث عن حق الدول التي كانت مشاركة في القتال "في العيش بسلام داخل حدود معترف بها وآمنة". ومن ذا لا يريد العيش بسلام داخل حدود معترف بها وآمنة؟ إن الاحترام الذي أُعطي للقرار جاء متأخرا حقا (قال ايتان بن تسور الذي كان المدير العام لوزارة الخارجية، في المؤتمر إن القرار لم تقبله حكومة اسرائيل قط على نحو رسمي)، لكنه حظي على هذه الحال ايضا في المؤتمر بعناية كالعناية بالطفل في مهده. إن قرار 242 وإن يكن طفلا في الاربعين، لم ينمو نموا خاصا، وعلى حسب تفسير ما، هو تصديق رسمي أعطانا إياه العالم لكي لا يكون احتلالنا عادلا فقط بل قانونيا ايضا، واخلاقيا.
لا يمكن أن تتجول وثيقة كهذه في العالم بلا متخصص ملازم، وكأنه لم تمر اربعون سنة، ليظهر فجأة من مكمن النسيان المختص بقرار 242، البروفيسور يهودا بلوم الذي كان سفيرنا في الامم المتحدة.
يبجث بلوم في الفروق الجوهرية بين الانسحاب من "المناطق" في وثائق مختلفة، وبين انسحاب من "منطقة" فقط في القرار 242، وهو فرق عظيم وشاسع. بلوم هو في الأصل محامٍ يعرض قضيته على محكمة غير موجودة. انه يقوم مع ملف مواده أمام عالم يتجاهلها وما زال يحكم علينا على حسب الاعلام. يريد بلوم أن يبرهن على أن العالم طلب منا أن ننسحب من "مناطق"، لا من "المناطق". اذا قبل العالم تفسيرنا فُتحت الطريق أمامنا للاستيطان، وللطرد، وللاقتلاع ونصب الحواجز. واذا رفض قبوله – فانه يهم في الأصل ما يفعل اليهود لا ما يفكر به الأمميون، وبالاضافة الى ذلك ليكن قرار الامم المتحدة ما كان فانه توجد اوضاع لا تمكن العودة عنها.
إن من جعل صورية بلوم طُرفة هو سفير آخر لنا في الامم المتحدة، بنيامين نتنياهو. يصل بنيامين نتنياهو متأخرا عشر دقائق الى القاعة لاهثا، ويُقدم عرضه المعتاد.
النص روتيني: "يحاول الاعلام والاكاديميا جعل النصر الكبير هزيمة". و"الفلسطينيون؟ أي مزاعم عندهم؟ انهم يسيطرون سيطرة كاملة ومستقلة على مجاريهم وعلى ضريبة المسقفات ايضا"، و"يوجد كذلك مكان للتفاؤل على رغم أن وضعنا لم يكن اسوأ مما هو الآن قط"، وما أشبه ذلك. وعندما ينتقل الى الانجليزية ينطلق في نتنياهو الشيطان الأهوج الحبيس في داخله. يتناول السؤال الذي يجيب عنه هضبة الجولان. "ما قيمة اتفاق سلام مع سوريا؟" ويصيح "قصاصة من الورق" لا أكثر! ويجلس البروفيسور بلوم، الرجل الذي خصص حياته لقصاصات ورق كهذه، مُهانا بقرب طاولته المستديرة مع زجاجات العصير ويلعب بقلمه.
يحب الجمهور نتنياهو. فهذا جمهور مقدسي معتاد. الكثير من الصلعات، والكثير من ربطات العنق والكثير الكثير من القبعات الدينية. العنوان حسن ايضا عند متطرف من اليساريين، وكان فيه ما يغطي قليلا على اللون السياسي للمؤتمر. خدم أكثر المتحدثين في حكومات اليمين (زلمان شوفال، ومئير روزان، ودوري غولد)، وفي خانة اليسار المتطرف يُجلِس المنظمون اللواء السابق عوزي ديان ("يجب دخول غزة الآن")، ونائب وزير الدفاع افرايم سنيه ("يجب أن يكون الجيش الاسرائيلي على نهر الاردن")، لكن يمكن أن نرى التعبير الحقيقي عن العلاقة بين اسرائيل الصغيرة قبل الحرب وتلك التي تلتها عندما نخرج من الفندق الذي عُقد فيه المؤتمر. تمتد صحراء كبيرة من الحجارة المقدسية أمام عين الناظر. خطط مهندس العمارة سفدي وبنى المقاول أكيروف. هذا نصب متعالٍ لا احساس فيه من المسارات الحجرية والشقق الفخمة التي تُباع للسكان الذين لا يسكنون هناك بالملايين، نصب يحرص على اخفاء السور وعلى ادارة ظهره للبلدة القديمة. - هآرتس 7/6/2007 -