اولمرت تنفس الصعداء بالأمس. المقاطع التي نشرتها لجنة فينوغراد من شهادته تتضمن قدرا قليلا جدا من الكلمات التي يمكنها إحراجه وإرباكه. اللجنة اختارت منع نشر جزء ملموس من الحوارات الكلامية بين اعضائها وبين الشهود. بعض الاشخاص في ديوان رئيس الوزراء الذين حصلوا على التسجيلات الكاملة يدعون أن بعض الأجزاء التي حُذفت تتضمن مجموعة من كلمات المدح والثناء لاولمرت. غبيزون أثنت على قراره مواصلة الحرب بعد وقف اطلاق النار، كما مدحته حول مضمون القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن. وفقا للتسجيلات، اللواء احتياط حاييم نيدل برز في اللجنة بسبب صمته بصورة أساسية. اغلبية الاسئلة طُرحت من قبل القاضي فينوغراد، وكان واضحا انه أعد اسئلته بصورة جيدة. أما بالنسبة لاولمرت فقد جاء الى اللجنة مع قرار بضبط النفس، إلا أنه لم ينجح دائما في ذلك، والقاضي فينوغراد بذل قصارى جهده حتى يقوم بمنعه من الإسهاب في الحديث والمناكفة.
مسدس في المعركة الاولى
يتبين من شهادات اولمرت وحلوتس بوضوح ان القرار الحقيقي بشن الحرب قد اتخذ في العاشر من أيار بعد حادثة مع حزب الله في منطقة المنارة، وربما قبل ذلك بحين في شهر آذار تحديدا. اولمرت وحلوتس تصرفا مثل شارون ورافول اللذان كانا يحثان على شن الحرب على لبنان في الاشهر الاولى من عام 1982، وعندما جاءت حادثة اغتيال السفير أرغوف انتهزا الفرصة. اولمرت كرر أمام اللجنة أن قراره بشن عملية كبيرة ضد حزب الله كان ناضجا لديه منذ مدة طويلة قبل اختطاف الجنود، وقد كان لديه سبب جيد لذلك: هو أراد اقناع اعضاء اللجنة بأنه لم يكن متسرعا، ولكن مثلما رأينا في عام 1982 لا يعتبر القرار السابق بشن الحرب ضمانة لنجاحها. بل على العكس. مشكلة اولمرت وحلوتس أنهما كانا واقعين في أسر النظرية المسبقة. اولمرت تصرف في ذلك اليوم وفقا للكتاب: عقد اجتماعا للحكومة ومنح الفرصة للمسؤولين وللوزراء حتى يقولوا ما يخطر في بالهم. القرار صدر بالاجماع. المسدس الذي وضع على الطاولة في المعركة الاولى ملزم باطلاق النار في الثانية: هذه الصيغة جيدة للمسرح وليس لقرارات تتعلق بالحياة وبالموت. عضو اللجنة نيدل سأل اولمرت لماذا لم يفكر بامكانية طرح البدائل على اللبنانيين. اولمرت رد عليه أن الهجوم كان يجب أن يتم في تلك اللحظة، وانه لم يكن هناك مفر من التصرف السريع والفوري. المعركة رمت الى تحقيق الهدف العاجل وهو الردع ورفع المعنويات الوطنية. أما المسائل المحيرة الحقيقية حول كيفية التحرك وتركيز العملية ومسارها فقد أبقاها اولمرت ورفاقه بيد السماء. اولمرت افترض أن شهادته لن تنشر، ولذلك سمح لنفسه بالتحدث بصراحة معينة حول الاسباب والقرارات التي دفعته لشن الحرب. هو يعترف انه اخطأ، ولكنه ليس مستعدا للاعتراف بما اخطأ به. اعتزازه بنفسه لا يسمح له بذلك. يبدو لي أن الأخطاء التي ارتكبها اولمرت في الحرب كانت أشد صعوبة وفي مسائل أكثر إيلاما مما يحاول هو إظهارها به. هو على قناعة أن الحرب كانت ستعتبر في نظر الجمهور الاسرائيلي انتصارا لو جرت معارك بنت جبيل ومارون الراس بطريقة مغايرة. ما يعنيه اولمرت هو أن الجيش كان سببا في الفشل، ولكن كل ما قاله اولمرت حول أداء الجيش خلافا للآخرين يخلو من السموم. وهو يوازن كلماته بالثناء على الجيش والتأكيد أنه يحب الجنود ويعتبرهم أفضل الناس.
خلال فترة الادلاء بالشهادة في الاول من شباط كانت لاولمرت مصلحة في وصف علاقاته ببيرتس بصورة جيدة. أما المسؤولية عن تعيينه في المنصب فقد ألقى بها على كاهل حزب العمل، ومع ذلك أكد أن أي واحد من الأخطاء التي ظهرت لم ينجم عن أداء وزير الدفاع. أما الحكومة فقد حظيت منه بدرجة أقل من الثناء، وقال مع ذلك "هذا ما يمكن لشعب اسرائيل أن يبتدعه". غبيزون سألته لماذا قال أن هدف الحرب هو اعادة الجنود المخطوفين، عندما كان يعلم أن احتمالية ذلك غير واردة. اولمرت قال لها أن هناك امورا تُقال لانه يتوجب قولها في اطار الدعاية ورفع المعنويات والحاجة الى البرهنة للأسرة الدولية عن مدى الجدية والاصرار.
روحه المعذبة
هناك اهتمام خاص بالطريقة التي يصف فيها اولمرت قراره بمواصلة القتال رغم وقف اطلاق النار. كانت هناك حاجة للضغط على حكومة لبنان للالتزام بقرار مجلس الأمن، ولكن من الصعب تفسير قرار شن عملية برية ضخمة بدبابات وطائرات وجنود موتى بلا داعٍ.
"لم تكن هناك مشكلة"، قال اولمرت. "رئيس هيئة الاركان أيد ووزير الدفاع كذلك، وكان علي أنا أن أقرر. أنا أذكر أنني أخذت أسير ذهابا وإيابا في صالون منزل رئيس الوزراء خلال هذه الساعات مُعذبا روحي، وأنا أرى أمام ناظري وجوه الأبناء الذين لن يعودوا، والذين أعرفهم جيدا، ومن ضمنهم أبناء اصدقاء لي. ولكنني قلت لنفسي ما الذي سيحدث اذا حصلنا بعد ساعات على قرار سيء من مجلس الأمن، كيف سنواجه ذلك؟ كيف ستعيش دولة اسرائيل مع الشعور بالهزيمة؟".
روت غبيزون: "بامكان دولة اسرائيل أن لا تقبل وقف اطلاق النار، وهذا خيار آخر".
اولمرت: ".. وبالفعل تبين خلال ساعات أن العملية ناجعة، وأنا أشكر نفسي اذا سُمح لي، لأنني استطعت التغلب على الآلام، وأنا أقول لكم أنكم لن تفهموني إلا بعد أن تقفوا في نفس الموقف الفظيع الذي كنت فيه.. نظرت من حولي، لا أحد، علي أنا وحدي فقط أن أقرر. أنا اعتقد أن هذا القرار كان صحيحا بالنسبة لشعب اسرائيل".
موقف اللجنة من هذا القرار ينتظر التقرير النهائي في الصيف القادم.
روليتا اسرائيلية
تقرير فينوغراد يُكثر من الحديث عن الحاجة لتدارس الامور بصورة معمقة قبل اتخاذ أي قرار عسكري. هم يطالبون بالحذر والحيطة والتشاور المنظم والمرتب وكشف المواقف للنقاش الحقيقي، الامر الذي لم يحدث في بلادنا.
البروفيسور درور قال ان "الامر الأشد خطورة من كل المسائل هو نفي حقيقة وجود حالة الغموض واللاوضوح وتحديد سياسة على أساس تصور تجريدي وزائف.. هذا التحدي يواجه اسرائيل بصورة خاصة. (من المحظور علينا) الاختباء وراء شعارات لا مضمون لها مثل "يحظر علينا أن نغامر" مهما كانت جذابة. بدلا من ذلك يتوجب الاعتراف بالحقيقة العنيدة والمرّة بأنه لا خيار أمامنا إلا المراهنة والاستعداد بصورة ملائمة لذلك".
ما الذي يمكن أن يُفهم من هذه الكلمات. هناك بلبلة كبيرة في ذلك. هل يأمرنا بأن نتصرف بحذر وأن لا نعتمد على المعجزات أم أنه يريد منا أن نغامر ونخاطر؟.
البروتوكولات التي نشرت بالأمس تُظهر لنا أن درور هذا قد غيّر من ذوقه: هو حسب قوله لم يكن ليخرج الى الحرب من دون "تصور استراتيجي متعدد المراحل".
فما العمل اذا؟ في كل الاحوال هناك أمر موثوق واحد: لجنة التحقيق ستتشكل.
ضد الريح
في يوم السبت الأخير احتفلت حنينا براندييس من أكبر أثرياء المحامين في اسرائيل بعيد ميلادها. اثنان من المعجبين بها جاءا للمشاركة في الاحتفال، اولمرت وبراك. الاثنان تبادلا بعض الكلمات. شخص كان قريبا منهما سمع براك يقول "سأقول في هذا الاسبوع عدة امور". "لا تستخلص العبر منها فأنا أُبقي كل الخيارات مفتوحة".
رغم أن براك دعا اولمرت الى الاستقالة، إلا أنهما ما زالا مرتبطين ببعضهما البعض. اولمرت يحتاج لبراك حتى يبقى في رئاسة الوزراء، وبراك يحتاجه للعودة الى وزارة الدفاع. ليس هذا تحالفا مقدسا وانما مجرد شخصين يبحثان عن فرصة ينتهزانها للقفز على العربة. ما صرح به براك مس باولمرت، ولكن هذه الهجمة كانت هامة لبراك حتى يفوز في الانتخابات التمهيدية في حزبه. ربما يتوجب على اولمرت أن يأمل بأن تكون الصفعة التي وجهها له براك قادرة على انجاز الهدف المطلوب.
اولمرت اتخذ قراره في يوم الاثنين الماضي، يوم نشر التقرير. هو احتار كيف يتصرف، هل يفعل مثل نتنياهو وبراك بعد فشلهما في الانتخابات ويقوم بالاستقالة الطوعية النبيلة، باحثا عن حظه في عالم التجارة، أم محاولة البقاء. هو اختار البقاء، وهو ناجح في ذلك في الوقت الحالي، فقد حال دون اندلاع التمرد في كديما، وقلص حجم لفني، وامتص أضرار المظاهرة الكبيرة في تل ابيب، وفي مفهوم معين كانت المظاهرة مفيدة له، فقد أثارت مخاوف قديمة من الانتخابات المبكرة والفوضى السياسية وعودة نتنياهو الى الحكم. اولمرت يقف ضد مهب الريح وضد الشعب. هذا حلم مفزع بالنسبة لكل سياسي. من الصعب أن نرى كيف يمكن لمثل هذا الشخص أن يصمد على المدى البعيد، ولكنه صامد بصورة جيدة من الناحية النفسية.
مفترق القرار القادم لن يكون إلا بعد الحسم في حزب العمل. موعد الانتخابات التمهيدية هناك هو الثامن والعشرين من أيار، ولكن على افتراض أن الجولة الثانية ستحدث، فالحسم سيحدث في منتصف حزيران فقط. يمكن للحكومة على الورق أن تصمد من دون حزب العمل ايضا.
لجنة فينوغراد التزمت بنشر التقرير الكامل في آب، ولكن هناك شك كبير في أن تنجح في ذلك، فالعبء الملقى على كاهلها كبير واعضاؤها يصرخون طالبين إجازة. اذا قررت اللجنة إرسال كتب تحذير للاشخاص الذين حققت معهم، فسيؤجل موعد النشر لاشهر كثيرة. في ديوان اولمرت يعتقدون أن العملية ستستغرق سنة ونصف. هذا ترف يُشك أن اسرائيل تستطيع أن تسمح لنفسها به. إضراب الطلاب الجامعيين المتواصل هو مؤشر واحد على ضعف الحكومة المتفشي. الخطوات الاحتجاجية التي يقوم بها معلمو الابتدائية يفترض أن تنتهي في هذا الاسبوع، ولكن الاتفاق معهم سيزيد من شدة الخطوات التي يقوم بها معلمو الثانوية. ضعف الحكومة يُبعد ايضا احتمالية حدوث انطلاقة سياسية. الشركاء في الطرف الآخر يشمون رائحة الضعف، والادارة الامريكية كذلك. في الوقت الحالي من دون صلة بفينوغراد، هبط رصيد الأمير السعودي بندر بن سلطان بصورة مدهشة بعد أن عوّل اولمرت عليه للربط بينه وبين السعودية. ادارة بوش وصلت الى استنتاج بأنه لا علاقة بين ما يقوله بندر لامريكا أو لاسرائيل وبين ما يفعله الملك عبد الله. بندر وعد بقمة بين اولمرت وأبو مازن برعاية الملك عبد الله، ولكن عبد الله قدم رعايته لقمة اخرى بين أبو مازن وحماس.
قرار شن عملية عسكرية في غزة يحلق في الأجواء فوق رأس الحكومة كغيمة سوداء. ديختر يؤيد، موفاز يعارض، اولمرت يسأل الجيش سؤالا أساسيا واحدا: ماذا سيحدث في غزة عندما نخرج؟ طالما لم يحصل على جواب مُرضٍ فلن تخرج العملية الى حيز التنفيذ.
واذا حدث القرار فيجب أن يكون مدعوما من الجميع. تقرير فينوغراد فعل فعله. العملية العسكرية القادمة ستكون مغطاة من المؤخرة حتى النهاية.
الانتخابات هي الامكانية الأكثر سهولة، وأهون الأمرّين. هناك امكانيات اخرى، مثلا تحويل حكومة اولمرت الى حكومة وحدة، حيث يكون براك في الدفاع ونتنياهو في المالية، مع موعد متفق عليه لاجراء الانتخابات بعد عام أو عام ونصف. أو مثلا ضم الليكود للحكومة مع نتنياهو كوزير للدفاع. أو مثلا التبادل بين اولمرت كما في الشطرنج وبين أحد وزراء حزب كديما، بيرس أو لفني أو موفاز أو ديختر. هذا ما كانوا ليفعلونه في مثل هذا الوضع في كل دولة اوروبية غربية، ولكننا في الشرق الاوسط. - يديعوت أحرونوت 11/5/2007 -