هل لا يزال يوجد في اسرائيل نظام سليم للامور، تقرر فيه الحكومة المنتخبة السياسة فيما يقوم خدمة الجمهور بتنفيذها؟ حسب التقرير الذي نشر في "هآرتس" يوم الجمعة ("الجيش يقرر وينفذ" بقلم ميرون ربوبورت)، يخيل أنه في كل ما يتعلق بالجيش، الجواب سلبي. فبنيما يتحدث وزراء الحكومة عن حل الدولتين، في الضفة يجري نوع من الانقلاب العسكري الذي يجعل فيه الجيش الاسرائيلي المنطقة دولة مستوطنين. وبينما يختنق السكان الفلسطينيون، فان المستوطنات تزدهر.

ولا يغير في الامر كثيرا اذا كان يقف على رأس وزارة الدفاع وزير مدني أم لا، وذلك لان للجيش جدول أعمال خاص به وخضوعه للقيادة السياسية هو في كثير من الاحيان وهمي. فعلى مدى السنين تباهت دولة اسرائيل بمعجزة الديمقراطية لجيش مطيع لا يراكم قوة أكبر مما ينبغي ويخدم السلطة المنتخبة باخلاص، رغم ان الدولة تعيش في حرب وجود مستمرة. غير أنه في الحرب الاخيرة تشقق هذا الايمان، حين تبين أن الحكومة تنجر للمصادقة على خطط عسكرية حتى أنها لم توضع امامها. أمور أسوأ من ذلك تحصل كل يوم في المناطق المحتلة. حجاي الون، مستشار وزير الدفاع، المسؤول عن نسيج الحياة في الضفة، يقول ان الجيش يعمل على نحو منقطع عن جدول الاعمال السياسي للحكومة وهو عمليا يعمل كجيش المستوطنين. هكذا على الاقل في كل فترة ولاية دان حلوتس.

أحد الامثلة المثيرة للصدمة على الازمة الديمقراطية هو تجاهل الجيش قرارات المحكمة بشأن مسارات جدار الفصل. فبعد سنوات من المداولات في محكمة العدل العليا على كل متر من الجدار، من أجل الموازنة بين احتياجات الامن واحتياجات حياة الفلسطينيين، تبين أنه في طريق 317 الذي يربط بين بعض المستوطنات في جنوب جبل الخليل، تجاهل الجيش الاسرائيلي القرارات وأقام جدارا صغيرا آخر لذاك الذي صودق عليه – وهو مقام في المسار الاصلي الذي سبق لمحكمة العدل العليا أن رفضته.

كما أن مقطع الجدار في منطقة طريق عابر السامرة، الذي تقررت اقامته بمحاذاة الخط الاخضر، لم يستكمل بسبب معارضة المستوطنين. والجيش توقف عن اجراء فحص أمني للسيارات ذات اللوحات الصفراء بسبب احتجاجات المستوطنين الذين لا يريدون أن يتوقفوا في الحواجز وذلك على الرغم من أنه دخلت مؤخرا سيارة متفجرة ذات لوحة زرقاء الى نطاق اسرائيل. والجيش لا يبلغ القيادة السياسية عن عدد الحواجز المقامة في الضفة، كي تتمكن الحكومة من الحديث عن التسهيلات فيما يمتنع الجيش عن تطبيقها. وهكذا، بمساعدة قادة الجيش، تم اسكان البيت المتنازع عليه في الخليل أيضا، وهكذا اُغلق مركز مدينة الخليل في وجه الفلسطينيين، وهكذا تمكن 3.000 متظاهر من الوصول الى حومش رغم قرار القيادة السياسية، وهكذا يحصل أيضا في كل ما يتعلق بتوسيع المستوطنات في أماكن مختلفة في ظل غض النظر بل واحيانا المساعدة الحقيقية من الجيش.

أحاديث عمير بيرتس عن ازالة مواقع استيطانية في الضفة وكذا وعود ايهود اولمرت وتسيبي لفني للوصول الى اتفاق جديد لتقسيم البلاد بين اسرائيل وفلسطين، تبدو في ضوء هذه الامور مخلولة أكثر من أي وقت مضى. ولا يغير في الامر من شيء على ما يبدو من هو الحزب الذي يوجد في السلطة، طالما أن الجيش يخدم المستوطنين بدل أن يخدم الدولة. - هآرتس 21/5/2007 -