قبل نحو سنتين، مع موجة من اطلاق صواريخ القسام على سدروت، وضع رئيس البلدية ايلي مويال قبعة زرقاء على رأسه، ورتب لنفسه مكبر صوت، ونظر نحو سكان مدينته الذين انتظموا وراءه، وخطوا جميعا معا كتلة واحدة نحو غزة. نحوها فقط. كانت تلك مظاهرة احتجاج نظمها مويال، وكان هدفها اضطرار الحكومة وقوات الأمن الى أن تحل مشكلة صواريخ القسام. أي بمنزلة "من يعارض الارهاب فليرفع يده"، المشهورة عن اريئيل شارون في أحد مراكز الليكود، آنذاك، مثل الآن ايضا، لم تكن توجد حماية لسكان سدروت، لكن ايلي مويال فضل العمل في استراتيجية وطنية، مع اقتراحه أن تُمحى بيت حانون عن وجه البسيطة، بدل الصراخ لمواجهة التسويف الذي لا يحتمل لتحصين بيوت السكان. حسن، أين هذا وأين ذاك. إن الأكثر حماسة أن تطلب بحماسة مع رفع الأيدي، حلا عسكريا لصواريخ القسام فورا. التحصين؟ أكثر الاحتمالات أنهم لم يكونوا ليستدعوه لو أتى للحديث عن موضوع غير مثير جدا.

تحصين السكان، من جهة رسمية، ورسمية فقط بالطبع، من مسؤولية البلدية المحلية. لا يعني هذا انه يوجد أحد يعتقد أن بلدية سدروت، مع خزينتها الضئيلة، تستطيع أن تحل وحدها المشكلة، لكننا اذا عدنا الى أكثر ظهور مويال في الاعلام في خلال السنين الأخيرة، فانه يصعب أن يثور فينا انطباع أنه أتى ليطرح في جدول العمل مشكلة التحصين فقط. في أكثر ظهوره في التلفاز قدم دائما نصائح أمنية الى الجيش الاسرائيلي، وبلغت حماسته المدى. هل غرف آمنة؟ ينبغي أن نفترض أنه ذكر ذلك هنا وهناك، لكن ذِكره ذلك كان ضئيل جدا.

الى أن جاء غايدماك واحتاز أوراق اللعب كلها، وأصبح الجميع فجأة يتحدثون عن التحصين، ويصفقون راحاتهم صفقا شديدا، ولا ينجحون في فهم كيف تركت الحكومة مدينة كاملة بلا غرف آمنة. الحكومة؟ أي حكومة؟ هل تلك التي كان نتنياهو وزير ماليتها، ولم تخصص شاقلا واحدا لحل هذه المشكلة؟ لكن ماذا يهم هذا. الغوغائية هي اسم اللعبة. اليوم يصل الى زيارة خاطفة للمدينة المقصوفة، ويزعزعه حقا ما تراه عيناه. نتنياهو ايضا يطلب في عدد لا يحصى من المقابلات التلفزيونية المُعتنى بها جيدا، أن يُقدم الجيش حلا لاطلاق صواريخ القسام. وكأنه لا يعلم أنه لا يوجد ولن يوجد حل عسكري لاطلاق صواريخ القسام.

من سيُبشر سكان سدروت بهذا؟ لا أحد. ليس الساسة بالتأكيد. العكس صحيح. سيقولون للسكان انهم لو كانوا فعلوا ما يقترحون فقط، فاننا كنا سنرى فورا كيف سيترتب كل شيء بعصا سحرية. لو كنا مثلا قبلنا ايديولوجية عميرام ليفين (وهو غير سياسي) وبحسبها يكون لكل صاروخ قسام ثمن. اذا أطلقوا النار فسنحطم بيوتهم ووجوههم. واذا ما زادوا الاطلاق، فسنترك عددا أكبر من النساء والاطفال والشيوخ بلا مأوى وبلا شيء. أي أنه يوجد حل، بل انه فوري. بيد أن المشكلة فقط هي أن المستوى السياسي والعسكري لا يريدان تنفيذ ذلك. وهكذا ما زالوا منذ سبع سنين تقريبا يضللون سكان سدروت. إنتظروا قليلا، يقولون لهم. نحن سنجد الطريقة الصحيحة. يعِد وزير الأمن الداخلي، آفي ديختر، انه لن يبعد اليوم الذي تجد فيه اسرائيل الطريق الى القضاء على خالد مشعل، وعندها سيأتي الهدوء.

لقد جُن شخص ما هنا. لا نحن الجمهور. حان وقت أن نكف عن رقص الغوغائية الذي يُحدق بسكان سدروت من كل جهة. حان الوقت لنقول لهم الحقيقة، مهما كانت شديدة ومؤلمة ولا تحتمل. لا يمكن أن نحصن تحصينا كاملا مدينة فيها 23 ألف ساكن في مدة معقولة. والحقيقة الأشد هي انه الآن، وفي المستقبل المنظور ايضا، لا حل عسكريا لاطلاق صواريخ القسام. لو وُجد لوجده الجيش الاسرائيلي. ولما كانت لا تجري الآن أية اتصالات سياسية، فلن يوجد أي حل سياسي ايضا.

ما الذي يوجد اذا؟ حلول مرحلية، تسليات صغيرة. مثل تحويل مئات ملايين الشواقل لتحصين ما يمكن تحصينه. أو مساعدة اقتصادية كثيفة للسكان، لينجحوا على نحو ما في تجاوز هذه الفترة، مع تعزيز كل نظام الدعم النفسي للسكان، واخراجات منظمة للانتعاش على شكل ما. اذا عرف سكان سدروت بالضبط ما الذي يمضون اليه، فان هناك أملا في أن يصمدوا وينظموا انفسهم على حسب ذلك. ستكون تلك الجحيم لكل واحد منهم، لكنهم على الأقل لن يتوقعوا جنة عدن. - معاريف 24/5/2007 -