غمرتنا رياضة وطنية جديدة في الاسابيع الأخيرة ألا وهي اقتراح حلول لمشكلات سكان سدروت ولاطلاق صواريخ القسام. يبرز اولئك الذين يكررون الجزم، بثقة مبالغ فيها، انه لا يوجد أي حل عسكري لاطلاق صواريخ القسام، وأن على سكان سدروت أن يُسلموا للوضع. يُذكرني هذا بالقصة الشهيرة عن ذلك الاستاذ الجامعي الجليل من اوكسفورد، الذي جاء في نهاية سنة 1942 لكي يشير على البحرية البريطانية كيف يمكن أن تحارب الغواصات الالمانية، التي أهلكت قوافل الإمداد الامريكية الى انجلترا المحاصرة. "ما حلّك؟"، سُئل الاستاذ الجامعي. "أوصيكم بأن تحيطوا القوافل بفراغ، وعندما لا يوجد ماء سترون فورا الغواصات وتقضون عليها"، أجاب العالم الاوكسفوردي بصوت واثق. "فكرة لامعة"، أجابه الأدميرالات، "لكن كيف نفعل ذلك؟"، "هذه مشكلتكم"، أجابهم وخرج من الغرفة. لا آتي لانضم اليوم الى الموصين وأصحاب الحلول. من اجل ذلك يوجد اولئك الذين يفترض أن يتحملوا المسؤولية عن التفكير والتنفيذ. لكنني أريد أن أُنبه الى ملاحظتين.

الاولى، تتعلق بـ "عدم وجود حل عسكري". الى وقت قريب قررت الاصوات الأقوى والأكثر ثقة في اعلامنا وسياستنا وفي دوائر اخرى، بحزم انه لا يوجد حل عسكري للمنتحرين. كان ذلك جزما يماثل جزم أن الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب.

لكن لا يوجد منتحرون بالفعل منذ سنتين. قضت اسرائيل، بحل عسكري، على ظاهرة المنتحرين. لم تقضِ هي بالطبع على الدافع الى الانتحار، فهو موجود يخفق في قلوب فلسطينيين كثيرين، كما يوجد الدافع الى السرقة في قلوب اللصوص؛ وهي بالطبع لا تستطيع أن تضمن ألا توجد عمليات انتحارية ناجحة بعد، لكن الظاهرة أحبطت. ليس ذلك بأعمال سحرية أو حلول سياسية عجيبة، بل بمعركة عسكرية مرهقة، وسيزيفية، ويومية مُركبة من التأليف الناجح بين المعلومات الاستخبارية النوعية، والوحدات الخاصة ذات التخصص الميداني وحرية العمل والمستويات الميدانية في مستوى قادة الألوية. في كل بضعة ايام يقضي هذا الجهاز على محاولات انتحار في مثلث نابلس – جنين – طولكرم: سواء أكان ذلك المخطط، أم المُجند، أو الممول، أم المُسلح، أم المساعد أم المنتحر نفسه. يمر كل ذلك بقرب آذان شعب اسرائيل؛ لقد انتقل اولئك الذين صرخوا بأنه لا توجد حلول عسكرية منذ زمن الى صراخ آخر.

الملاحظة الثانية تتعلق بمسؤولية الدولة. تستطيع الحكومة أن تسلك سلوكا مرنا، وعمليا، وأن تضبط النفس، وأن تُدبر الحيلة – في كل ما يتعلق بخططها بعيدة الأمد وفي كل ما يتعلق بسياستها اليومية في مجالات السياسة، والمجتمع، والاقتصاد، والتربية وما أشبه ذلك.

يوجد مجالان، في رأيي، يجب على الدولة فيهما أن تأخذ بسياسة صارمة جدا: الدفاع عن حياة مواطنيها والدفاع عن سيادتها. هذه أوامر عليا من اجلها توجد الدولة (لا أي رابطة اقتصادية)، ولها يُقسم المواطن الولاء. اذا لم تكن الدولة تستطيع مثلا أن تهب لمواطنيها الدفاع الداخلي، فان مواطنيها سيُقيمون وحدات شرطة مدنية خاصة. المشكلة هي أنه لا يمكن اقامة جيش خاص يدفع التهديدات الخارجية (إلا اذا رفعت الدولة يديها واستدعت جيوشا اجنبية تدافع عن حدودها).

إن ما حدث في حرب لبنان الأخيرة هو أن مواطني شمالي الدولة أسلمتهم الدولة في الواقع، واحتلت محلها منظمات "المجتمع المدني" وغايدماك، في حين لم تحاول الدولة، والجيش الاسرائيلي كأداتها التنفيذية لمدة شهر القضاء على النار التي سقطت على مواطني الشمال. هذا في رأيي لب المأساة اللبنانية، على رغم عدد من الانجازات السياسية.

يحدث شيء ما مشابه في سدروت. وعلى هذه الخلفية أُثير السيناريو الآتي: لنفترض أنه ترسو سفينة ركاب كبيرة وراء المياه الاقليمية لاسرائيل مع مئات من المواطنين وعدد من المخربين مع الصواريخ. وهم يطلقون في الصباح صاروخا واحدا على ميناء تل ابيب، بقرب مطعم "مول يام"؛ وفي الظهيرة صاروخا آخر على شارع شينكين؛ وفي المساء صاروخا آخر على مركز تجاري في رمات أفيف ج. وفي الغد من ذلك تُطلق صواريخ على دور الصحف وقاعات التلفاز والراديو. وهكذا يوما بعد يوم. لا يوجد الكثير من القتلى، ويوجد القليل من الأضرار. السؤال: ماذا تفعل حكومة اسرائيل؟ هل تقول انه لا يوجد "حل بسيط"؟ هل تقول انه لا يوجد "حل سريع"؟ ماذا يقولون في الاعلام؟ انه لا يوجد في الحصيلة العامة قتلى كثيرون؟ وانه يجب تعود الوضع؟ وانه يوجد فقط حل سياسي (اجراء تفاوض مع الشركة التي تنتمي اليها السفينة)؟ وانه لا يوجد حل عسكري؟. - معاريف 28/5/2007 -