رام الله - وفا- أكد السيد أحمد قريع "أبو علاء" رئيس الوزراء، اليوم، أن الأهداف الوطنية الكبرى، يمكن تحقيقها من خلال تنفيذ استراتيجيات عمل متكاملة، تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وكان السيد "أبو علاء" رئيس الوزراء، يتحدث في افتتاح مؤتمر معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" في الذكرى العاشرة لتأسيسه وذلك في أحد فنادق مدينة رام الله في الضفة الغربية.
وقال رئيس الوزراء: نحن مدعون جميعاً إلى وضع أجندة وطنية واضحة، يتم فيها جدولة الأولويات وفق الضرورات الوطنية الملحة، وتوفير الشروط الكفيلة بتحقيق أهدافنا الكبرى المشروعة.
وأضاف أن الاقتصاد الذي نريده، هو اقتصاد السوق القائم على الشراكة الحقيقية بين أطراف التنمية الثلاثة: الحكومة، والقطاع الخاص، والقطاع الأهلي.
وأكد رئيس الوزراء على التمسك بهدف السلام كخيار استراتيجي شريطة أن يحقق حقوقنا الوطنية المشروعة بما في ذلك إنهاء الاحتلال والاستيطان اليهودي الاستعماري لأرضنا.
وأوضح أن من أولى أولوياتنا، تأكيد وحدة مركز اتخاذ القرار الوطني الفلسطيني، والالتزام بالبرنامج السياسي المعتمد وتعزيز الحوار الوطني والتفاهمات الداخلية والالتزام بمرجعية المؤسسات الشرعية الفلسطينية.
وشدد "أبو علاء" على ضرورة تسريع برنامج الإصلاح الشامل على كافة الصعد بما في ذلك إعادة هيكلة مؤسسات السلطة وتوحيد وتفعيل أداء الأجهزة الأمنية، وتحقيق مبادئ الحكم الرشيد، لاسيما الفصل بين السلطات وتعزيز النظام القضائي وتطويره وتفعيله، وتحقيق الشفافية والمشاركة والمساءلة، وكل ما من شأنه تعزيز مصداقية المؤسسة الفلسطينية.
وأكد أن الحكومة تعمل على إعادة بناء الاقتصاد الوطني الفلسطيني، وحل مشكلة البطالة والفقر وتطوير التعليم والتعليم العالي ورياض الأطفال، والثقافة، والشباب والتكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات، وتوفير شبكة من الضمانات الاجتماعية والصحية لأبناء شعبنا. وفيما يلي نص الكلمة:.
السيدات والسادة .
الضيوف الكرام .
يسعدني أن أكون معكم اليوم، لمشاركتكم حفل افتتاح "مؤتمر أجندة العمل الاقتصادي في بيئة متحولة" الذي يصادف الذكرى السنوية العاشرة لتأسيس معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، راجياً لمؤتمركم هذا النجاح، ومتمنياً لـ "ماس" دوام التوفيق في خدمة القضايا والسياسات الاقتصادية الوطنية، بكل ما عرف عن هذه المؤسسة الفلسطينية المستقلة من جدية ومثابرة وإخلاص.
ولا يفوتني أن استذكر اليوم، تلك البدايات المبكرة لمعهد "ماس"، الذي كان لي شرف الإسهام في تأسيسه قبل نحو عشر سنوات، والمشاركة في عضوية مجلس أمنائه، مع نخبة من المفكرين والعلماء والاقتصاديين الفلسطينيين المرموقين، ممن استشرفوا المستقبل، وعملوا على التأسيس له بمسؤولية، يشدهم الحلم الفلسطيني الجامع لدولة فلسطينية عصرية قادرة على المساهمة في ركب التطور الإنساني، من خلال إنتاج المعرفة، ومراكمة الخبرات المكتسبة، وبناء النموذج المؤهل لاستقطاب الكفاءات، واستنهاض القدرات الكامنة لدى شعب يتطلع بقوة نحو فجر الحرية والاستقلال والديمقراطية.
وإذ استذكر اليوم تلك البدايات الواعدة، في مستهل عهد السلطة الوطنية الفلسطينية الوليدة، وتحضرني الكثير من الجهود والمواقف والأسماء والمبادرات المخلصة التي قام بها آنذاك فريق مؤهل من خيرة أبناء فلسطين الذين ساهموا في بلورة فكرة تأسيس هذا المعهد وبلورة أهدافه، فإنه لا يفوتني في هذه المناسبة استذكار زميلنا الراحل الكبير الدكتور يوسف الصايغ، الذي شاركنا في تأسيس "بكدار" وابنها الوليد "ماس"، وساهم مساهمة كبيرة في رسم سياساته، وعمل معنا دون كلل أو ملل، ثم رحل عنا قبل أشهر، بعد حياة حافلة بالعطاء والإنجازات المميزة، تاركاً وراءه بصمات لا تمحى في التراث الثقافي والأدب الاقتصادي الفلسطيني.
الأخوات. . . . الأخوة. . حقاً، نحن اليوم في خضم بيئة متحولة، إن لم أقل بيئة شديدة التحول، تطال تحولاتها كل شأن من شؤون حياتنا العامة، ليس فقط على الصعيد السياسي الذي لا تخطئ العين متغيراته السريعة والكبيرة، وإنما أيضاً على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهي تحولات أنتجتها وما تزال تعيد إنتاجها مخرجات ثورة الاتصالات والمعلوماتية، الأمر الذي غير العديد من المفاهيم والرؤى والحقائق، وبدل وجه العالم بسرعة على نحو لم تشهده البشرية من قبل.
وعلى خلفية هذا الإدراك بما يجري في واقعنا الذاتي وما يمور في بيئتنا المحيطة، فإننا نعول كثيراً على مؤتمركم هذا، وعلى غيره من المؤتمرات المماثلة، التي من شأنها أن توسع نطاق المشاركة المؤسسية في عملية صنع القرار الاقتصادي، وأن تعمق تقاليد الحوار الوطني، وأن تعمم على أوسع نطاق أدبيات الثقافة الاقتصادية، على قاعدة توحيد الرؤية المشتركة، وتفعيل السياسات المعتمدة، وتوزيع عبء النهوض بالمسؤولية الهادفة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية المستدامة.
وتعلمون أن معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" قد أخذ على عاتقه، ومنذ تأسيسه، مهمة إنتاج البحوث التطبيقية، وتقديم الدعم الفني لصانعي القرار الاقتصادي الفلسطيني، وتوفير منبر للحوار الوطني الديمقراطي حول السياسات والقوانين الاقتصادية، إلى جانب عدد آخر من المهام التي تقع في صميم عمل معهد أبحاث فكري، نحسب أن "ماس" قام بها خير قيام، واستحق بنتيجتها تقدير القيادة والحكومة، وإعجاب كل الذين خاطبهم هذا المركز وعمل معهم عبر العديد من المؤتمرات والندوات المتخصصة.
وإقراراً من جانبنا بأهمية عمل المعهد وإنجازاته، وحرصاً منا على تعزيز هذه الإنجازات، فقد قررنا منح الأولوية لماس، لإعداد أبحاث ودراسات السياسات الاقتصادية والاجتماعية للوزارات والمؤسسات الحكومية.
فخبرة هذا المعهد وقدرته وتجربته وشبكة علاقاته بالكفاءات الفلسطينية، تؤهله لتلبية احتياجات الوزارات والمؤسسات الحكومية من الأبحاث والدراسات، بجودة عالية ومواصفات رفيعة. لقد آن الأوان لتقييم ومراجعة التجربة السابقة في إنتاج الأبحاث والتقارير، سواء من حيث فائدتها، أو من حيث تأثيرها على مراكمة خبراتنا وقدراتنا البحثية.
ولا يخفى أن تلك الأبحاث تستنزف نسبة كبيرة من المساعدات الدولية للشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن قرارنا بشأن منح الأولوية لمعهد "ماس" في مجال أبحاث السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ما هو إلا بداية يمكن أن تسري على دوائر ومؤسسات إنتاج المعرفة الأخرى، وخصوصاً تلك التي تستجيب لاحتياجاتنا وتلبي أولوياتنا الوطنية، سواء أكان ذلك في الجامعات ومعاهد التعليم العالي، أو في مراكز الأبحاث المستقلة، إذ لدى إطلاعي على ملخص الخطة الاستراتيجية الجديدة لمعهد "ماس"، لاحظت أن الخطة تؤكد على أن قدرة المعهد التنافسية هي المفتاح الرئيس للتوسع والتطور والاستدامة.
كما تضمنت الخطة تطويرات هامة لتعزيز قدرة المعهد على تنفيذ قرارات مجلس الوزراء، سواء كان ذلك من خلال إعداد خطته البحثية، أو في أساليب تنفيذ مشاريع الخطة ذاتها، التي تركز على منهج المشاركة الفعالة مع الجهات ذات الصلة، بهدف تعزيز ملكية هذه المؤسسات للأبحاث والدراسات، وتحسين فرص تطبيق توصياتها، والاستفادة منها في إعداد السياسات واتخاذ القرارات التنموية.
أيتها الأخوات. . . أيها الأخوة. . . . اسمحوا لي، وأنا أخاطب هذه النخبة المتميزة من المثقفين والاقتصاديين والإعلاميين، أن أضع بين أيديكم بعض الملاحظات التي قد تكون موضع اهتمام مؤتمركم هذا أو مؤتمراتكم اللاحقة.
أن أثمن ما يمكن أن يستخلصه المراقب من مجمل التطورات التي حفلت بها التجربة الإنسانية خلال العقدين الماضيين، هو ذلك التحول العميق في المفاهيم الكلاسيكية السائدة منذ قرون طويلة، بما في ذلك مفهوم القوة ومفهوم التنمية ومفهوم العلاقات الدولية وغيرها.
كما أن هناك تغيراً في معادلة الدور والمكانة، وتبدلاً في مضمون الدولة الحديثة، حيث باتت قوة الأمم تحسب بكفاءتها الإنتاجية وتنافسية صادراتها وقدرتها على جذب الاستثمارات الخارجية، وحسن إدارتها للموارد المتاحة، وما إلى ذلك من عناصر مماثلة تشكل في مجموعها المعايير الحاسمة لتحديد مكانة الدول وقياس قوتها الحقيقية.
ومما يؤسف له حقاً، أن المؤسسة الفلسطينية التي انشغلت عميقاً في مجابهة التحديات اليومية المفروضة عليها من جانب الاحتلال، لم تول الاهتمام الكافي لما يجري على المسرح العالمي من متغيرات كبرى، حيث تقدمت الاعتبارات السياسية دائماً على غيرها من الاعتبارات الأخرى، تحت وطأة الكفاح المشروع ضد الاحتلال والاستيطان، والنضال من أجل تحقيق الحرية والاستقلال، الأمر الذي أفقدنا عناصر مهمة في معركة بناء الدولة المستقلة القادرة على الاستجابة لتحديات الراهن والمستقبل معاً.
واستناداً إلى مثل هذه الاستخلاص وغيره من الاستخلاصات التي حفلت بها تجربتنا الخاصة هذه، فإنني أدعو إلى عرض هذه التجربة إلى التقويم والنقد والنقد الذاتي، دون تهيب مما قد يستغله البعض ضدنا، أو يأخذه الآخرون علينا. ولعل عملية الإصلاح الشاملة الجارية لدنيا منذ مدة، مدعوة إلى مراجعة الإجراءات والقوانين والتشريعات، وتصويب الخطوات ومنهجية اتخاذ القرارات، من أجل مواصلة مسيرة البناء وإعادة الاعمار على النحو الذي يزيد من قدرتنا على مجابهة الاحتلال والاستيطان والعدوان.
لذلك فنحن مدعون جميعاً إلى وضع أجنده وطنية واضحة، يتم فيها جدولة الأولويات وفق الضرورات الوطنية الملحة، وتوفير الشروط الكفيلة بتحقيق أهدافنا الكبرى المشروعة، ومن ذلك:
1- التمسك بهدف السلام كخيار استراتيجي شريطة أن يحقق حقوقنا الوطنية المشروعة بما في ذلك إنهاء الاحتلال والاستيطان اليهودي الاستعماري لأرضنا، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وحل قضية اللاجئين حلاً عادلاً بالاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 194 وخارطه الطريق، وتحرير أسرانا الأبطال من السجون الإسرائيلية.
2- تأكيد وحدة مركز اتخاذ القرار الوطني الفلسطيني، والالتزام بالبرنامج السياسي المعتمد وتعزيز الحوار الوطني والتفاهمات الداخلية والالتزام بمرجعية المؤسسات الشرعية الفلسطينية.
3- تسريع برنامج الإصلاح الشامل على كافة الصعد بما في ذلك إعادة هيكلة مؤسسات السلطة وتوحيد وتفعيل أداء الأجهزة الأمنية، وتحقيق مبادئ الحكم الرشيد، لاسيما الفصل بين السلطات وتعزيز النظام القضائي وتطويره وتفعيله، وتحقيق الشفافية والمشاركة والمساءلة، وكل ما من شأنه تعزيز مصداقية المؤسسة الفلسطينية.
4- مواصلة الاستعداد لإجراء ما تبقى من عملية الانتخابات المحلية والانتخابات التشريعية في مواعيدها المقررة، تطبيقاً لمبدأ تداول السلطة والمشاركة في تحمل المسؤولية الوطنية، وإتاحة الفرصة للأجيال الشابة لاحتلال مواقعها في مختلف مراتب المسؤولية، وتجديد الحياة السياسية وتعزيز الديمقراطية.
5- العمل على إعادة بناء الاقتصاد الوطني الفلسطيني، وحل مشكلة البطالة والفقر وتطوير التعليم والتعليم العالي ورياض الأطفال، والثقافة، والشباب والتكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات. والعمل على توفير شبكة من الضمانات الاجتماعية والصحية لأبناء شعبنا.
وليس من شك في أن هذه الأهداف الوطنية الكبرى يمكن تحقيقها من خلال تنفيذ استراتيجيات عمل متكاملة، تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يحدوني إلى مطالبة مؤتمركم هذا بضرورة المساهمة في تطوير المحتوى الاقتصادي للدولة الفلسطينية المنشودة، ومواكبة التطورات العالمية من زاوية تجويد الأداء وتحسين مستوى الإنتاجية ودفع العملية التنموية، وأتقدم إليكم كذلك لتناقشوا مفهوم "الدولة القابلة للحياة" من كافة الزوايا الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسكانية والحدود والتواصل الجغرافي وغير ذلك من المقومات الأساسية لدولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، بعد أن كثر الحديث عنها دون تحديد لمتطلبات ذلك.
إننا في الحكومة وفي السلطة، نتعهد بأن نبقى قنوات الحوار والاتصال مفتوحة أمام سائر مؤسسات المجتمع المدني وفعاليات القطاع الأهلي، ونعد أيضاً بالاستجابة لمختلف المطالبات المحقة، مما يعني أننا نحمل وإياكم واجبات مشتركة ومسؤوليات كبرى لا بد من النهوض بها دون تسويف.
وليس من شك في أن الاقتصاد الذي نريده، هو اقتصاد السوق القائم على الشراكة الحقيقية بين أطراف التنمية الثلاثة: الحكومة، القطاع الخاص، والقطاع الأهلي، اقتصاد تلعب فيه الحكومة دور الموفر للمناخ الاستثماري الجيد والبيئة التنافسية المستقرة، من خلال دورها في توفير الأمن والاستقرار، وترسيخ سيادة القانون واستقلالية القضاء، وتطوير البنى التحتية والموارد البشرية. أما القطاع الخاص، فهو المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات، وعليه تقع مسؤولية توفير احتياجات المواطنين من السلع والخدمات. اما مهمة القطاع الأهلي فهي لعب دور مكمل للقطاع الحكومي في تقديم الخدمات المتنوعة، سواء منها ما يتعلق بتطوير البنى التحتية، وتقديم الخدمات التعليمية والصحية، والعناية بالفئات المهمشة، أم من خلال التطوير الثقافي وتوسيع المشاركة المجتمعية في الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية وما شابه ذلك.
وفي الختام أشكر معهد "ماس" على إتاحة هذه الفرصة لي، لمخاطبة هذا الحضور المميز من المفكرين والقياديين والاقتصاديين. واسمحوا لي أن أشد على أيدي كل الذين أعدوا لهذا المؤتمر الفكري الهام وأسهموا في انعقاده، متمنياً لكم ولمؤتمركم النجاح في عرض الأفكار وإجراء الحوارات، وتبادل وجهات النظر، وكل ما من شأنه المساهمة في إجراء مراجعات منتظمة لمسار التطورات الجارية، وتقويم الأحداث المتعاقبة، واستشراف آفاق المستقبل برؤية علمية ومسؤولية وطنية. والسلام عليكم ورحمة الله.