غزة- وفا- أكدت وزارة الشؤون الخارجية امس، أن الانسحاب الإسرائيلي المزمع من قطاع غزة في حال تنفيذه، لا يغير من المركز القانوني للأرض التي سيتم الانسحاب منها، وستبقى إسرائيل سلطة محتلة تقع عليها المسؤولية القانونية والإنسانية التي تلزمها بها اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 وأنظمة لاهاي لعام 1907 وما يترتب على ذلك من التزامات تجاه الأرض والسكان بما لا يخل بالحقوق الفلسطينية، خصوصاً الحق في تقرير المصير و إقامة دولة مستقلة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأصدرت الوزارة ورقة موقف حول الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية التي سيتم الانسحاب الإسرائيلي منها بموجب خطة فك الارتباط الإسرائيلية من قطاع غزة وأجزاء من شمالي الضفة الغربية.
وتتناول الورقة التي أعدها فريق الوزارة المكلف بمتابعة ملف الانسحاب وأقرها الوزير د. ناصر القدوة، استناداً لمبادئ القانون الدولي، عدة محاور رئيسية فيما يتعلق بالوضع القانوني للأراضي التي ستخليها إسرائيل، ومنها مبادئ وأحكام القانون الدولي بما في ذلك القانون الدولي الإنساني والالتزامات السياسية والقانونية المترتبة على حكومة إسرائيل وفق اتفاقات أوسلو والإرادة الدولية مجسدة بخطة خارطة الطريق. وحسب الورقة، فإن «خطة فك الارتباط» من قطاع غزة وأجزاء من شمال الضفة الغربية التي تنوي حكومة إسرائيل تنفيذها تنص على أنه حالما يتم تطبيقها بالكامل فسوف لن يكون هناك أساس للادعاء بأن القطاع أرض محتلة ولم تخفِ إسرائيل رغبتها الشديدة بالإعلان عن إنهاء احتلالها لقطاع غزة، متجاهلة بذلك مبدأ الوحدة الجغرافية للقطاع غزة والضفة بما في ذلك القدس، ومحاولة اعتبار قطاع غزة بعد تنفيذ الانسحاب وحدة جغرافية منفصلة عن الضفة الغربية للتنصل من الالتزامات القانونية التي يفرضها القانون الدولي الإنساني.
وأكدت الورقة أن الزعم الإسرائيلي بخصوص إنهاء الاحتلال وتغيير المركز القانوني لقطاع غزة بعد تنفيذ الانسحاب يتعارض كلياً مع مبادئ وأحكام القانون الدولي بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، والالتزامات السياسية والقانونية المترتبة على حكومة إسرائيل وفق اتفاقيات أوسلو، والإرادة الدولية مجسدة بخطة خارطة الطريق.
مبادئ وأحكام القانون الدولي بما في ذلك القانون الدولي الإنساني:
وجاء في الورقة في هذا المجال، أن إسرائيل تبقى قوة احتلال وفق القانون الدولي حيث أن إسرائيل ستحافظ فعلياً على سيطرتها على المجالين الجوي والبحري وتحافظ على سيطرة جزئية على المعابر بما يقيد من حرية السكان المدنيين في الحركة. كما تعطي إسرائيل الحق لقواتها في الدخول لقطاع غزة متى رأت داع وإن سحب المستوطنين وإزالة المستوطنات ينتهي الجانب المتعلق باستيطان الأرض ويشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني ولا ينتهي الوضع القانوني لإسرائيل باعتبارها قوة احتلال في قطاع غزة.
وقالت الورقة إن القانون الدولي ولوائح لاهاي للعام 1907 تفسر حالة إنهاء الاحتلال بأنها لا تتم بإعلان السلطة المحتلة عدم السيطرة الفعالة على الأراضي إذا كانت لهذه السلطة القدرة على ممارسة هذه السيطرة.
وكانت محكمة نورمبرغ، قد أقرت بمسؤولية ألمانيا كقوة احتلال عن بعض المناطق من اليونان ويوغسلافيا رغم أنها قد تنازلت عن السيطرة الفعلية على أراض محددة لقوات غير ألمانية و لم تسيطر على هذه المناطق.
وأقرت المحكمة وقتها أن ألمانيا باقية حقيقة «السلطة المحتلة» في اليونان ويوغسلافيا عموماً وفي الأراضي التي تنازلت عن السيطرة عليها بما أنه يمكنها الدخول مرة أخرى والسيطرة على هذه الأراضي متى شاءت، والقانون الدولي إذ ينفي إمكانية أن تعلن دولة الاحتلال انتهاء احتلالها للأرض إذا كان لديها المقدرة على التدخل فإن ذلك يشمل إسرائيل التي لا تمتلك المقدرة فقط بل أعلنت عن نيتها في التدخل.
ولأن خطة الانسحاب من غزة هي خطة أحادية الجانب فإن خروج القوات الإسرائيلية لا يعني انتهاء الاحتلال حيث أن القانون الدولي لا يعطي دولة الاحتلال الحق في إعلان إنهاء احتلالها ما لم يترتب على ذلك إنهاء ممارسة الشعب المحتل لحقه في تقرير مصيرهو هو بذلك يتناقض مع مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها الذي أكد عليه ميثاق الأمم المتحدة والعديد من التشريعات الدولية.
الالتزامات السياسية والقانونية المترتبة على حكومة إسرائيل وفق اتفاقيات أوسلو
وأوردت الورقة أن اتفاقات أوسلو الانتقالية أكدت على نحو خاص أن الأراضي الفلسطينية ستبقى تحت الاحتلال الإسرائيلي إلى أن يتم التوصل لاتفاق سلام نهائي وتطبيقه بالكامل. وكانت المادة (4) من اتفاقية إعلان المبادئ العام 1993 قد أشارت «يعتبر الطرفان الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة جغرافية واحدة يجب المحافظة على وحدتها وسلامتها خلال الفترة الانتقالية».
وأعادت اتفاقية القاهرة للعام 1994 التأكيد على الوحدة الجغرافية للأرض الفلسطينية في المادة 23 وتحديداً في الفقرتين 6 و7. وتشير الفقرة 7 تحديداً على اعتبار «قطاع غزة ومنطقة أريحا جزءاً لا يتجزأ من الضفة الغربية وقطاع غزة ولا يتغير وضعهما في فترة سريان هذا الاتفاق وليس لهذا الاتفاق ما يعتبر مغيراً لهذا الوضع».
كما نصت اتفاقية واشنطن للعام 1995 على أنه »لن يبادر أو لن يتخذ أي طرف أي خطوة من شأنها تغيير وضع الضفة الغربية وقطاع غزة في انتظار ما تسفر عنه مفاوضات الوضع النهائي«. وأشارت المادة (11) من نفس الاتفاقية إلى «أن الطرفيين يعتبران الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة إقليمية يجري الحفاظ على سلامتهاووضعها خلال الفترة الانتقالية».
كما نصت المادة (10) من مذكرة شرم الشيخ الموقعة في العام 1999 «إقراراً منهما بخلق أجواء إيجابية للمفاوضات سيمتنع الجانبان عن اتخاذ خطوات من شأنها تغيير وضع الضفة الغربية وقطاع غزة استناداً إلى الاتفاق الانتقالي».
وقالت الورقة:«حيث أن الخطة الإسرائيلية أحادية الجانب لم يتم التفاوض والاتفاق حولها مع الجانب الفلسطيني وهي بنصوصها وتطبيقاتها تخل بمبدأ الوحدة الجغرافية بين قطاع غزة والضفة الغربية المتفق عليه، ولا يوجد في الخطة أي إشارة لربط وتواصل إقليمي بينهما فإنها تعتبر خرقاً للتعهدات والالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقيات الموقعة مع حكومة إسرائيل».
الإرادة الدولية مجسدة بخطة خريطة الطريق
وحسب ورقة وزارة الشؤون الخارجية، فإن الخطة الإسرائيلية أحادية الجانب تشكل التفافاً على الإرادة والجهود الدولية الساعية لإيجاد حل عادل وشامل ونهائي للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.
وأكدت أن هناك إجماعاً وتأكيداً دولياً على أن أي حل للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني لابد أن ينتهي بوجود دولتين وحل عادل لقضية اللاجئين وتسوية بشأن القدس والحدود والمياه. وكان الرئيس الأمريكي بوش قد عبر عن هذه الرغبة الدولية في رؤيته التي طرحها في العام 2001 والتي قال فيها إنه يتطلع إلى وجود دولة فلسطينية قادرة على الحياة وذات تواصل. كما أن المجتمع الدولي كان قد أعاد تأكيد هذا التصور في خطة خارطة الطريق التي جاء في ديباجتها «ستؤدي تسوية تم التفاوض بشأنها بين الطرفين، إلى انبثاق دولة فلسطينية مستقلة، ديمقراطية، قادرة على البقاء، تعيش جنباً إلى جنب بسلام وأمن مع إسرائيل وجيرانها الآخرين».
وفي مكان آخر أشارت الخطة إلى أن مثل هذا الحل لابد أن يقود إلى إنهاء الاحتلال الذي بدأ في العام 1967 ويحقق رؤية دولتين، دولة إسرائيل ودولة ذات سيادة، مستقلة، ديمقراطية وقابلة للحياة هي فلسطين، تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن. وقالت الورقة إن خطة الانسحاب الإسرائيلية أحادية الجانب تجعل من تحقيق الإرادة الدولية القاضية بوجود دولة فلسطينية أمراً أكثر تعقيداً ويصعب تحقيقه نتيجة للاعتبارات التي سبق توضيحها والمتعلقة بشكل خاص بمبدأ الوحدة الجغرافية والتواصل الإقليمي واحترام الولاية الفلسطينية على الأرض الفلسطينية. وبناء على كل ما سبق فإن الانسحاب الإسرائيلي المزمع من قطاع غزة في حال تنفيذه لا يغير من المركز القانوني للأرض التي سيتم الانسحاب منها وستبقى إسرائيل سلطة محتلة تقع عليها المسؤولية القانونية والإنسانية التي تلزمها بها اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 وأنظمة لاهاي لعام 1907 وما يترتب على ذلك من التزامات تجاه الأرض والسكان بما لا يخل بالحقوق الفلسطينية خصوصاً الحق في تقرير المصير و إقامة دولة مستقلة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة.