غزة - "وفا": أكد الرئيس محمود عباس "أبو مازن" أن لا أحد يملك التنازل عن الثوابت الفلسطينية، المتمثلة في إقامة دولة فلسطينية مستقلة، متصلة، وقابلة للحياة وديمقراطية، وإنهاء الاحتلال للأراضي المحتلة العام 1967، بما في ذلك الاستيطان، وحلّ عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين حسب القرار 194. جاء ذلك، في مقابلة خاصة أجرتها، مع الرئيس، وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، وقناة فلسطين الفضائية، وأكّد سيادته خلالها أنه طرح الثوابت الوطنية الفلسطينية في برنامجه الانتخابي، ويطرحها في كل مكان، منوهاً إلى أن "الثوابت الفلسطينية لا أحد يملك التنازل عنها، وأنه عندما يتم التوصل إلى حل نهائي، سيتم طرح هذا في استفتاء شعبي ليقول شعبنا كلمته. ولكن، ما هي هذه الثوابت؟ هناك مواطنون يتحدثون عن ثوابت موجودة وثوابت غير موجودة. ما هو متفق عليه هو ما ورد عندنا، وثبت في خارطة الطريق: دولة فلسطينية مستقلة متصلة، قابلة للحياة وديمقراطية".

وقال: أريد هذا الكلام مترجماً على أرض الواقع. والنقطة الثانية هي إنهاء الاحتلال للأراضي المحتلة العام 1967، وهذا بالنص وارد حتى في خارطة الطريق، بما في ذلك الاستيطان. ثم النقطة الثالثة، وهي حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين حسب القرار 194. وهي أيضاً بالنص موجودة. وأنا أريد أن يوضع هذا القرار على الطاولة، لنناقشه ونطبقه. فإذا وصلت إلى قناعات، أعرضها على الشعب، وهو يقول رأيه: إما نعم أو لا، وهذا موجود في كل بلاد الدنيا.

وتابع قائلاً: إن شارون يعرض أية قضية على استفتاء، وفرنسا تستعمل الاستفتاء. هذا الاستطلاع حق للشعب. وعلينا نحن أن نتفق مع الإسرائيليين، ولا بد أن يبدي الشعب رأيه، لأنها قضية مصير ومستقبل، وبالتالي لا حكومة ولا سلطة تملك المستقبل. لذلك نترك هذا للشعب ليقرر، ونحن هذا واجبنا، وهذه حدودنا وثوابتنا، ولن نطالب بأكثر منها، ولا بأقل منها.

وعبر السيد الرئيس عن قناعته بـ "أننا يجب أن نعيش جنباً إلى جنب، في أمن وأمان واستقرار، مع الإسرائيليين. ولذلك نقول لهم: لا حاجة لهذا الحائط". وأضاف: هم يحتاجون إلى الأمن ونحن نحتاجه، هم يحتاجون للاقتصاد ونحن نحتاجه. ويمكن أن نجد أشياء مشتركة كثيرة بيننا وبينهم. الآن هذه فرصة لا تقدر بثمن، إننا وضعنا حداً للاقتتال بيننا. فعليهم، إذن، أن يدفعوا حكومتهم، وأن يضغطوا على هذه الحكومة، من أجل أن تلبي حاجات الفلسطينيين.

وقال: أنا عندما أطالب بتحرير الأسرى، أطالب به لأنهم بشر، ولأنهم قاموا بعمل نحن أمرناهم به، نحن كسلطة. ولذلك، لا سبيل لعقابهم، ونحن نجلس معهم على طاولة واحدة لنتفاوض ونتحاور، وهؤلاء أمضوا سنوات طويلة، فإلى متى سيبقى الإنسان في غياهب السجن؟ كل العمر، ليموت في السجن؟! بما أنكم حكمتم عليه، وقضى الفترة بعيداً عن أهله، بعيداً عن عائلته، فيجب إطلاق سراحه. في هذا المثال، أيضاً، يجب على الشعب الإسرائيلي هنا أن يستعمل نفوذه، ويضغط ويشارك في المظاهرات.

وأردف: نعم، عليكم أن تخلوا سبيل الأسرى. كذلك يجب أن يخرجوا من غزة، وأن يخرجوا من الضفة، وأن يخرجوا من هذه المناطق. وأكد سيادته أنه لا يجوز أن يبقى الشعب الفلسطيني مقهوراً محتلاً إلى الأبد، منوهاً إلى أن "هذه الأمور، إذا ساعد الشعب الإسرائيلي فيها، فمن حقه أن يقول: أنا أريد أمناً. وسنقول له: إن هذا من حقك. ولكن من حقي أيضاً أن أتمتع بكل هذا، وأشعر بأنني إنسان وبشر، وبأن شعبنا يستحق الحياة ويستحق دولة. يجب أن نكون مثلكم، أنتم أخذتم دولة، وعليكم إتاحة الفرصة لنا لنأخذ دولتنا، وذلك لنعيش بعضنا إلى جانب بعض.

وفي رده على سؤال مفاده أن الولايات المتحدة هي أحد رعاة عملية السلام، وهي التي أسست خطة خارطة الطريق مع أوروبا والأمم والمتحدة وروسيا، قال الرئيس: نحن لا نقلل من شأن الباقين، الذين شاركوا، والذين نحرص كل الحرص على بقاء مشاركتهم، سواء الاتحاد الأوروبي أو روسيا أو الأمم المتحدة. لكننا نعرف أيضاً، وهذا لا يخفى على أحد، أن الولايات المتحدة هي صاحبة الدور الأكبر، ولا أحد يطمع أن يكون بديلاً لها، وإنما يساعدها الجميع في ذلك. فهي صاحبة الدور الأكبر في ما يتعلق بعملية السلام، ولاحظنا أن الأميركان مستعدون للدعم والمساعدة في المجال الاقتصادي، وفي المجال السياسي، وإضافةً إلى ذلك مستعدون للمساعدة في قضايا التنسيق الأمني، وقد بدأوا في ذلك. وأوضح أن الرئيس الأميركي قدم إلى الكونغرس اقتراحاً بتقديم 350 مليون دولار إلى السلطة الوطنية، معربا عن اعتقاده أن المشروع المقترح سيتم تنفيذه.

وتابع: وهناك هم متحمسون، أيضاً، لأن يروا الدول المانحة تقوم أيضاً بواجباتها.

وأضاف السيد الرئيس: دعيت إلى الولايات المتحدة، وأعتقد أن الدعوة لم يحدد لها موعد. دعيت أكثر من مرة، سواء من الرئيس أو من د. كوندوليزا رايس. لكن غالب الظن أنها لن تكون قبل شهر نيسان، لأنه من الآن وحتى شهر نيسان سيكون كثير من الأمور قد حدثت، وكثير من القضايا تبلورت، وبالتالي نذهب على نور لنتكلم مع الأميركان، ولنرى ما هي الخطوات اللاحقة الخاصة بالحل النهائي، قبل الانسحاب من غزة، والخاصة بتطبيق خارطة الطريق.

وبالنسبة لزيارة سيادته إلى روسيا وتركيا، أكد الرئيس "أبو مازن" أن روسيا "أبدت كل الاستعداد لكل دعم ممكن"، قائلاً: نحن طلبنا مجموعة طلبات، ولم يقولوا لا لأي طلب. ولكن هناك بعض المعدات التي نحتاج إليها؛ المعدات الأمنية كلها. وجاءتني رسالة، أمس (أول من أمس)، من وزير الخارجية الروسي، يؤكد فيها أن جميع هذه القضايا التي طلبناها أحيلت إلى الوزارات المختصة من أجل تصديقها، منوهاً إلى أن علاقة فلسطين بروسيا هي علاقة قديمة، وروسيا صديقة لنا، إنها صديقة الفلسطينيين والعرب، وبالتالي لا نجد صعوبةً في التفاهم معهم.

وقال: أما تركيا، فهي الدولة الإسلامية الشقيقة، الدولة المهمة في المنطقة، والتي بدأت تلعب دوراً مهماً في كل المنطقة. لقد وجدنا كل الدفء عندهم، كل الترحيب بما نريد. ومن جملة ما طلبناه منهم تمويل قضية المطار، واستعدوا. ولكن بالنسبة للمطار، للأسف، لم نأخذ حتى الآن موافقةً على إعادة بنائه. ولكنهم استعدوا مع بعض الجهات المانحة أن يتولوا إعادة بنائه. وهناك تدريبات للشرطة، ومساعدات للقسم الهندسي، وبعثات تعليمية، وهناك تجاوب في كل ما طلبنا.

وتابع الرئيس: نحن حريصون كل الحرص على أن تكون تركيا موجودةً معنا، ولذلك طلبنا من بريطانيا أن تكون تركيا مدعوةً إلى مؤتمر لندن، لأننا نشعر بأن لتركيا دوراً فعالاً في المنطقة، وإضافةً إلى ذلك نحن أشقاء، نحن والأتراك مسلمون، ونحن نحرص كل الحرص على أن نستمر في هذه العلاقة.

وحول الترتيبات والمقترحات لحضور مؤتمر لندن، قال الرئيس "أبو مازن": نحن ذهبنا للتحضير للمؤتمر في الثامن من الشهر الجاري، وهناك تحضير آخر ليوم 17 من هذا الشهر، وبالتالي سنكون إن شاء الله مستعدين كل الاستعداد، وسنذهب لنقول في هذا المؤتمر ماذا نريد. نحن لا نريد أن يكون فقط مؤتمراً لإعادة تأهيل الفلسطينيين فقط، وإنما أن يكون مؤتمراً من أجل المستقبل، ومن أجل الربط بينه وبين المؤتمر الثاني الوارد في خارطة الطريق. وبالتالي، القضية هنا ليست قضية اقتصادية أو قضية إعادة تأهيل، وإنما سنطلب أن تكون قضيةً سياسية.

وشدد على أنه لا يعتقد أن البريطانيين لديهم رفض لهذا الأمر، معرباً عن أمله بأنه "سيكون مؤتمراً ناجحاً، أو على الأقل مؤتمراً شبه دوري"، وأوضح أن "إسرائيل ستحضره، وكثير من الدول العربية سوف تحضره، وستحضره أوروبا وأميركا، وهو منبر مهم جداً، سنطرح فيه ما عندنا، وما لدينا".

كذلك، أكد الرئيس عباس أن "العالم كله متطلع إلى منطقتنا، العالم كله يعتبر أن المنطقة هي البداية التي يبنى عليها من أجل السلام. ولذلك الكل مهتم: أوروبا، أفريقيا، أميركا، آسيا، اليابان، الصين، كل العالم مهتم بمسيرة السلام في الشرق الأوسط"، مشيراً إلى اعتقاده بأنه ستكون هناك اجتماعات للمجلس الأوروبي ومجلس الوزراء الأوروبي في العشرين والثاني والعشرين من الشهر الحالي.

وقال "وجهت إلينا دعوات لنحضرها"، مشيراً إلى أنه شخصياً ربما لا يتمكن من الحضور. وأضاف: لأنني أتطلع إلى أن نثبّت وضعنا هنا على الأرض، أفضل بكثير من السفر. السفر ضروري، لكن سيكون هناك إخوة آخرون يحضرون هذه الاجتماعات، ربما وزير الخارجية أو وزير المالية، وطبعاً الأخ رئيس الوزراء ممكن أن يحضر مؤتمر لندن.

وقال سيادته: نحن سنوزع المهام، إنما في غالب الوقت سأكون هنا، من أجل متابعة القضايا على الأرض. وبعد أن نتثبت من أن أوضاعنا تسير سيراً حسناً في طريقها الصحيح، ممكن أن نقوم بزيارات. عندنا القمة العربية في الشهر المقبل. وإذا أعطانا الله العمر، سنذهب إلى هذه القمة. ثم بعد ذلك نقوم بزيارة أشقائنا. وهناك كثير من الزيارات المطلوبة إلى دول العالم، وبالذات إلى الولايات المتحدة.

وفي رده على سؤال عما إذا كان الرأي العام الإسرائيلي بدأ يتغير بشكل إيجابي تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته، وبالتالي ما هي رسالته إلى الرأي العام الإسرائيلي، قال الرئيس: نحن نقول للإسرائيلين: إننا نريد العيش جنباً إلى جنب، هناك رؤية بوش، وقبل رؤية بوش نحن أجرينا كثيراً من الاتصالات، وكثيراً من اللقاءات والاتفاقات، نحن مقتنعون بأننا يجب أن نعيش جنباً إلى جنب، في أمن وأمان واستقرار، مع الإسرائيليين. ولذلك نقول لهم: لا حاجة لهذا الحائط. هم يحتاجون إلى الأمن ونحن نحتاجه، هم يحتاجون للاقتصاد ونحن نحتاجه، ويمكن أن نجد أشياء مشتركة كثيرة بيننا وبينهم. الآن، هذه فرصة لا تقدر بثمن، اننا وضعنا حداً للاقتتال بيننا، فعليهم إذن أن يدفعوا حكومتهم ويضغطوا عليها من أجل أن تلبي حاجات الفلسطينيين. وأنا عندما أطالب بتحرير الأسرى، فلأن الأسرى هؤلاء بشر، وهم قاموا بعمل نحن أمرناهم به، نحن كسلطة.

وحول المعايير الإسرائيلية للتعامل مع الأسرى في سجون الاحتلال، وقولهم "الملطخة أيديهم"، قال الرئيس: هذا كلام لا أقبل به وليس منطقياً، متسائلاً: ماذا يعني ملطخة أيديهم بالدماء؟ نحن كنا نتقاتل، وهم يقتلون ويصطادون بالطائرات والدبابات. الجندي الذي يقتل خمسين أو عشرين شخصاً يداه "ملطختان بالدماء". هذه حرب، وفي الحرب أنت أمرت جندياً بأن يقتل، وأنا أمرت ابني أو أخي بواجب المقاومة. هذا قتل وهذا قتل. إذن، لماذا يعتبر ملطخة يده بالدماء، ولا يجوز أن يخرج من السجن؟! إنه مناضل، مثله مثل أي إنسان مناضل. كنا في فترة قتال، وفي كل بلاد الدنيا، عندما تحصل هدنة، يقال: عفا الله عما مضى. والآن يقولون "المطاردون"، نحن نقول: إن الأمر قد انتهى، وكذلك الذين في السجون يجب أن يخرجوا، والمبعدون من المفروض أن يرجعوا. هذا هو معنى السلام.

وتساءل السيد الرئيس: أنا أريد أن أعقد سلاماً، فهل يبقى المطارد مطارداً، والسجين سجيناً، والمبعد مبعداً؟ ما قيمتي إذن أمام المواطن العادي؟

وقال "إن المواطن سيقول لي: ماذا أحضرت لي، أنت أمرتني فأنت مسؤول عني"؟!

وأضاف: إن حجة "ملطخة بالدماء" هذه عليهم أن ينسوها، مضيفاً: نريد أن نعيش في سلام، وعفا الله عما مضى وانتهى. إذا أردنا أن نتحدث عن التاريخ، سنخسر ولن نصل إلى نتيجة.

وبالنسبة للعديد من الترتيبات التي تمت لإزالة التعديات، أكد الرئيس "أبو مازن": نحن لاحظنا أن كثيراً من الناس، متنفذين أو غير متنفذين، ينتمون إلى السلطة أو لا ينتمون، احتجزوا جزءاً من الأرض، والأرض ثمينة جداً. وقالوا: نبني عليها بيوتنا، مع أن هذا اعتداء غير شرعي على أملاك عامة. ثم تبين أن الشاطئ معبأ بالأكواخ والأبنية الخاصة وغير الخاصة، وكلها اعتداءات على المتنفس الوحيد لأهل القطاع للتنفس.

وشدد الرئيس على أنه لا يحق لأي إنسان أن يعتدي على أملاك الدولة، قائلاً: نحن قررنا إزالة كل الاعتداءات دون استثناء، وبدأنا بها، وسنستمر حتى النهاية. لن نترك شخصاً واحداً معتدياً على سنتيمتر واحد من الأرض التابعة للدولة والأوقاف والأراضي العامة، ولن نسكت، وسينطبق ذلك على الجميع. نزلت الشرطة وكل الأجهزة. نزل محافظ الشمال ومحافظ غزة، ومعهما رئيس دائرة أملاك الدولة بأنفسهم. وأنا نزلت أول يوم، وبعدي رئيس الوزراء. هذا موضوع لا نقاش فيه، وكل من سيعترض سيعاقب، ولا نقاش. هذه خطوة، وهناك اعتداءات أخرى في مجالات أخرى لم نتوقف عندها، لأننا نحتاج إلى وقت، وهذا الموضوع سيستمر، وربما تلحقه مواضيع أخرى مشابهة له أيضاً، وستنتهي إن شاء الله.

وفي ختام حديثه، قال السيد الرئيس: أنا في الحقيقة رأيت بعض مخيماتنا في دمشق ولبنان، وكنت سعيداً بحماسهم واندفاعهم وتمسكهم بالوطن، وحرصهم على منظمة التحرير، وحرصهم على السلطة، مشيراً إلى أنهم بدأوا يشعرون بأن شيئاً ما قادم لهم. وقال سيادته: إن شاء الله، لا أعد، لأن الوعود أحياناً تكون كثيرة ولا تنفذ. ولكني أقول: إن شاء الله كل ما يرضيهم سنعمله، وليست لدينا عصا سحرية لكي نقول كن فيكون، ولا يستطيع أن يفعل ذلك سوى الله سبحانه وتعالى. هو الذي يقول كن فيكون.

وتابع سيادته: نحن علينا واجب أن نراعي مشاعر الناس، ونبحث عن مصالحهم، وأن نجعل المواطن يعيش بأمن وأمان، وأن نطبق قول الله سبحانه وتعالى "فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف". وسنعمل على تطبيق هذه الآية، ونكون قد قدمنا شيئاً لشعبنا، لأنه يستحق أن يعيش مرتاحاً ومستقلاً، وفي إطار القانون. يستحق أن ينتهي من هذه الاعتداءات والتجاوزات، حتى يعيش الإنسان في بيته مطمئناً على أهله وعائلته.