أعلن في العاصمة الاردنية، عمان، امس، عن وفاة المصرفي الفلسطيني عبد المجيد شومان، رئيس مجلس ادارة البنك العربي، احد اعمدة النظام المصرفي العربي، عن عمر يناهز 94 عاماً. واعلن البنك العربي في عمان ان جنازة الفقيد عميد المصرفيين العرب عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ستنطلق، ظهر اليوم، من مقر مبنى إدارة البنك العربي في حي الشميساني في المدينة، إلى مسجد الأمير حمزة في القصور الملكية للصلاة عليه، ثم يوارى الثرى في المقابر الملكية تكريما لدوره الاقتصادي الكبير.

ولد عبد الـمجيد شومان في العام 1912 وعاش حياة حافلة تميزت بالاستغراق العميق في العمل والتقصي والاجتهاد والتزود بالعلـم. فقد تفتحت عيناه على الحياة في مسقط رأسه بيت حنينا في فلسطين ووالده في الـمهجر، فعاش في كنف جدته، بعد وفاة والدته، ولـم يكن أمامه سوى أن ينكب على دراسة أصول الدين الإسلامي واللغة العربية في مدرسة بيت حنينا، ثم في مدرسة الروضة في القدس، كي ينشأ، كما يريد له والده، نشأة عربية إسلامية.

عندما بلغ سن الرابعة عشرة سافر الى الولايات الـمتحدة الأميركية ليكون لقاؤه الأول بوالده وبداية العهد بتعقب الحلـم حتى يتجسد امراً واقعاً. درس في الـمدرسة الاعدادية في نيوتن، ثم التحق بجامعة نيويورك وحصل منها على شهادة بكالوريوس في الاقتصاد والبنوك في العام 1934، ثم درجة الـماجستير في نفس التخصص في العام 1936.

فور تخرجه حاصلاً على درجة الـماجستير في الاقتصاد عاد الى وطنه فلسطين العام 1936، لينخرط بالعمل في البنك العربي الذي كان قد تأسس في القدس في العام 1930، وكان ما زال في بداياته الأولى، يتعرض، كما تتعرض الـمنطقة كلها والعالـم برمته، الى تقلبات سياسية واقتصادية وعدم استقرار، فوقف الى جانب والده في إدارة شؤون البنك، وسط أجواء سياسية مشحونة، حيث الهجرات اليهودية الـمتعاقبة على ارض فلسطين والتي تنذر بالـمخاطر، وحيث التواطؤ الدولي الـمسلح بالانتداب البريطاني يمهد لذلك. وقد كان لفلسطين وأهلها الحيز الأكبر من اهتمامات عبد الـمجيد شومان، فجعل من القضية الفلسطينية هاجسه الأهم، ومن الوطن العربي ملاذه، وعكف على اتمام مشروع البنك العربي ليكون بنكاً لكل العرب، ويكون نموذجاً في مجال التعاون العربي الـمشترك. بعد وفاة الأب الـمؤسس عبدالحميد شومان في العام 1974، تسلـم عبدالـمجيد شومان رئاسة مجلس إدارة البنك العربي، الذي كانت قد ترسخت أصوله ومبادئه، وغدا مؤسسة قومية مصرفية متجذرة. وكان على شومان الابن أن يحمل الراية ويؤدي الرسالة الـمكلف بها وقوامها أن يتوسع اكثر واكثر بفروع البنك العربي، ليس على مستوى الوطن العربي فحسب، بل وعلى مستوى العالـم أجمع، ليخدم ابناء الامة العربية اينما كانوا، فتعددت الفروع الى أن وصل عددها الى 378 فرعاً ومكتبا، موزعة في اقطار الوطن العربي، وفي العديد من دول العالـم منها: أسبانيا، وبريطانيا، والولايات الـمتحدة الأميركية، وقبرص، وروسيا، واليونان، وايطاليا، وكوريا، وسنغافورة، وسويسرا، واستراليا، والنمسا، وألـمانيا، والصين، وتشيلي.

وقد تميزت ادارة عبد الـمجيد شومان للبنك العربي بالحصافة وسعة الأفق، مستفيداً من تربيته الـملتزمة، وتعليمه الـمتفتح، فمزج بين الحداثة والاصالة، وعزز روح الأسرة في البنك العربي وحصنها بأدوات حديثة، والاحتكام الى الـمهارة في الانجاز، والاستناد إلى الأخلاق في العمل.

كما أسهم في الوقت نفسه في بناء العديد من الـمؤسسات الاقتصادية الـمنتجة سواء في الأردن أو في الأقطار العربية وبعض الـمؤسسات العالـمية.

وكان لرصيد النجاحات الـمتواصلة التي حققها البنك العربي أن حظي البنك في ظل إدارة عبدالـمجيد شومان بمكانة مالية مرموقة، واحتل مركزاً ائتمانياً متقدماً ضمن قائمة الـمؤسسات الـمصرفية الدولية، حيث عمل عبد الـمجيد شومان على تعميق رسالة البنك العربي بوصفه مؤسسة قومية معنية بقضايا الأمة العربية، وظل قريباً من نبض الناس فتولى بصفته الشخصية إدارة اكثر من مؤسسة وطنية انسانية تهدف الى تقديم العون والـمساعدة الى ابناء الشعب الفلسطيني الرازحين تحت نير الاحتلال الاسرائيلي. وفي طليعة هذه الـمؤسسات: الجمعية الأردنية للعون الطبي للفلسطينيين، ومؤسسة التعاون، وجمعية الرعاية الطبية في رام الله ــ فلسطين، واللجنة الشعبية الأردنية لدعم الانتفاضة في الأرض الـمحتلة، واللجنة الفرعية لجمعية الـمقاصد الخيرية الإسلامية في عمان.

وإلى جانب اهتماماته الـمبدئية والإنسانية، وتمشياً مع نشاطاته التي تمليها عليه مواقفه القومية، ورغم انشغالاته الـمتشعبة والـمتعددة، ظل مؤمناً بأهمية دعم البحث العلـمي وإشاعة التنوير الثقافي بين أبناء الامة العربية، وتنفيذاً لوصية الوالد الـمؤسس بتخصيص جزء من ارباح البنك العربي لإنشاء مؤسسة غير ربحية تعنى بشؤون العلـم والثقافة في الوطن العربي، بادر عبدالـمجيد شومان في العام 1978 إلى إنشاء (مؤسسة عبدالحميد شومان) وتسلـم منذ ذلك التاريخ رئاسة مجلس إدارتها.

وانسجاماً مع دوره الاجتماعي الفعال ونشاطاته في مجال البحث العلـمي، أسس البنك العربي في العام 1999 (مركز البنك العربي للبحث العلـمي)، الذي يهدف الى اجراء الأبحاث الـمستفيضة حول مختلف قضايا الاقتصاد والـمال.

ولأن الدافع قومي، ولأن الصورة لا تكتمل الا باكتمال معالـمها، فقد أتاح امكانيات البنك العربي لدعم ومساندة اقتصادات الدول العربية، مجسداً بذلك التحامه بقضايا أمته. ولأن القدس كانت وما زالت على رأس القضايا، وفي مقدمة الاولويات فقد خصها باهتمامه، وحرص على دعم كل ما يخدم عروبتها. وتأتي جائزة (عبدالـمجيد شومان العالـمية للقدس)، التي أنشئت في العام 1999 بمنحة كريمة من عبدالـمجيد شومان، ترسيخاً لهذا النهج، حيث تمنح الجائزة لـمجموع الأعمال تقديراً لـمسيرة فكرية أو علـمية أو أدبية أو فنية تتوافر فيها الأصالة والتميز وذات إضافة حقيقية للـمعرفة عن القدس وعن عروبتها: نشأة وموقعاً وتاريخاً وسكاناً وحضارة وقضية.