بعد دراسة قانونية وشرعية استمرت أكثر من ثلاثة شهور نفذت السلطة أمس أحكام الإعدام الصادرة بحق أربعة مدانين في جرائم قتل وخطف وسرقة، في خطوة يرى فيها المراقبون سلاحاً أخيراً لجأت إليه في مواجهة الفوضى والانفلات الأمني المتنامي ولفرض سيادة القانون.
ويقول مقربون من الرئيس محمود عباس إنه لم يكن متحمساً لتنفيذ أحكام الإعدام لكنه وجد نفسه مضطراً لها بسبب تواصل الجرائم والفوضى والانفلات.
وقد أحال الرئيس ملفات جميع المحكومين بالإعدام إلى المفتي وخبراء قانون لدراستها والمصادقة على تلك التي لا لبس في الأحكام الصادرة بشأنها.
وشكلت إعدامات الأمس استئنافاً لتنفيذ أحكام الإعدام بعد تعليق غير رسمي استمر ثلاث سنوات.
وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات جمد تطبيق أحكام الإعدام في أواسط العام 2002 بعد تعرض السلطة لانتقادات واسعة من قبل دول الاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان.
والأربعة الذين أعدموا أمس هم جزء من قائمة من 55 محكوماً بالإعدام.
وقال أبو خوصة، الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية والأمن الوطني في تصريح خاص إنه تم تنفيذ الأحكام بحق المجرمين الأربعة على خلفيات جرائم قتل ارتكبوها، وتم إصدار أحكام قضائية بحقهم في الماضي.
وأضاف، أنه تم فجر اليوم (أمس)، تنفيذ أحكام الإعدام شنقاً بحق المجرمين وعودة محمود أبو عزب، وصلاح خليل مسلم، ووائل شعبان الشوبكي، فيما تم تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بحق المجرم محمد داوود الخواجا.
وقال: من المؤكد أن هذه سياسة جديدة وتأتي في سياق محاربة الانفلات الأمني.
وتقول مصادر أمنية إن الأراضي الفلسطينية تشهد تنامياً في جرائم القتل العمد وأن كثيرا من الجرائم لم يكشف النقاب عن منفذيها.
لكن مؤسسات حقوقية تقول إن عددا من الجرائم التي لم يكشف النقاب عنها نفذت من قبل أصحاب نفوذ في أجهزة الأمن والمجموعات المسلحة.
وبين المحكوم عليهم بالإعدام 25 ادينوا بالتخابر مع سلطات الاحتلال.
وكانت السلطة أصدرت 73 حكماً بالإعدام منذ تأسيسها العام 94 نفذت منها تسعة حتى تموز 2002، فيما قتل مسلحون تسعة آخرين بعد اقتحام السجون التي كانوا يحتجزون فيها.
وبرر قائد الشرطة العميد علاء حسني في حديث لوكالة فرانس برس اللجوء الى تنفيذ الاعدام بضرورة "التذكير بوجود سلطة وقانون (...) امام ارتفاع معدلات الجريمة والقتل على خلفيات الشرف او المال (...) وحالة من الانفلات وشعور الناس بعدم الامان". وقال ابو خوصة لوكالة فرانس برس ان عملية الاعدام "هي خطة في سياق كامل من خطوات اخرى امام ارتفاع معدلات الجريمة والاعتداءات والمخالفات والخروج على القانون".
واشار ابو خوصة الى ان نحو ثلاثين جريمة قتل سجلت منذ اوائل العام الحالي، موضحا انه رقم "غير عادي وغير معقول" قياسا الى الوضع العام.
وقال احد المسؤولين في وزارة الداخلية لوكالة فرانس برس ان "الرئيس منح صلاحيات واسعة لقادة الاجهزة الامنية، وتعهد لهم بدعم سياسي ومادي ومعنوي بلا حدود من اجل تطبيق القانون وانهاء حالة الفوضى".
وقال ابو خوصة ان "لدى وزارة الداخلية خطة كاملة لانهاء حالة الفلتان الامني التي تعاني منها الاراضي الفلسطينية ومن المتوقع تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة وجيزة".
لكن ابو خوصة حذر من انه "لا يمكن تحقيق نتائج قياسية ما دام الاحتلال الاسرائيلي يقف في وجه تقدم الفلسطينيين وتطورهم". واعترف المتحدث بأن "الوضع في الضفة الغربية اسوأ منه في قطاع غزة حيث تحظى الاجهزة في غزة بهامش مناورة اوسع في الحركة والعمل".
وقال: "لا بد من اتخاذ اجراءات قاسية ومع التراكم ستكون السلطة خلال الفترة القادمة قادرة على استعادة هيبتها وقوتها وفرض القانون الذي اصبح تجازوه من اسهل الامور".
والمدانون الاربعة هم: محمد داوود الخواجا (24 عاماً) من مخيم الشاطئ، الذي أدين بقتل الصراف مصطفى بارود (72 عاماً)، ووائل شعبان الشوبكي (25 عاماً) من مدينة غزة، الذي أدين مع اثنين من أقاربه بقتل الصراف سهيل السيد، وعودة محمود أبو عزب من خان يونس المدان بالخطف والاغتصاب والقتل، وصلاح خليل مسلم من خان يونس المدان بارتكابه جريمة قتل.
وعلمت "الأيام" أن الإعدام نفذ رمياً بالرصاص بحق الخواجا، وذلك في مبنى المديرية العامة للشرطة والجوازات، فيما نفذ حكم الإعدام شنقاً بحق الثلاثة الآخرين الشوبكي، وأبو عزب، ومسلم في مركز الإصلاح والتأهيل "مبنى سرايا غزة الحكومي"، وذلك في حوالي الساعة السادسة والنصف من فجر أمس.
وكان منفذو عملية الإعدام في الجوازات والسرايا من أفراد الشرطة الملثمين، حيث تمت عملية إعدام الخواجا رمياً بالرصاص من قبل أربعة ملثمين، أطلقوا النار عليه في آن واحد بعد تلقيهم أوامر بذلك، بعد أن تم إسناده على مجموعة من الأكياس المعبأة بالرمال، وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين، وذلك في أعقاب تلقينه الشهادتين من قبل مفتي الشرطة، كما تم إطلاق رصاصة الرحمة على رأسه لتأكيد عملية وفاته.
أما عملية إعلام الثلاثة الآخرين، فعلمت "الأيام" أنه تم نصب ثلاثة حبال جلبت خصيصاً لهذا الغرض من الخارج، حيث تم رفعهم ووضع الحبال حول أعناقهم، ومن ثم تلقينهم الشهادتين، التي أعقبها عملية إزاحة الطاولات من تحت أقدامهم والتأكد من عملية وفاتهم.
ونقلت جثت الأربعة في سيارات اسعاف عسكرية أحضرت لهذا الغرض إلى مستشفى الشفاء بغزة، حيث تم وضعهم في ثلاجة الموتى انتظاراً لتسليمهم لذويهم لدفنهم.
من جهته، اعتبر بكر بارود ابن الصراف المغدور، الذي لقي حتفه على يد الخواجا في الخامس من شهر أيلول العام 2000 أن تنفيذ حكم الإعدام في قاتل والده كان قراراً صائباً، وذلك لمنع تفشي الجريمة في المجتمع الفلسطيني، ووقف حالة التدهور الأمني الحاصلة، لأن ذلك يؤكد لكل الذين تسول لهم انفسهم قتل الأبرياء أن السلطة جادة في تنفيذ أحكام الإعدام وأن أي جان سيلقى الجزاء ذاته.
ولفت بارود، الذي حضر عملية إعدام الخواجا في مبنى الجوازات، إلى أنه وفور تنفيذ حكم الإعدام تم فتح خيمة عزاء لتقبل العزاء بمقتل والده قبل أربع سنوات ونصف السنة، وأيضاً تقبل التهاني بإعدام الجاني، مؤكداً أن العدل يجب أن يسود، وأن كل جان يجب أن ينال جزاءه، الذي يستحقه.
من جهتها، طالبت أم إبراهيم بارود زوجة الصراف المجني عليه بإعادة المبلغ المسروق من زوجها، وقيمته 15 ألف دينار أردني، وأن عائلتها ستطالب بدفع الدية، موضحة أن عائلة الخواجا طالما أرسلت خلال السنوات السابقة الكثير من رجال الإصلاح لحل الموضوع ودياً، إلا أن ذلك لم يتم.
يُذكر أن الخواجا كان أدين في الحادي عشر من أيلول العام 2000 أمام محكمة أمن الدولة العليا بجريمة خطف وقتل الصراف بارود في الخامس من الشهر نفسه، حين قام باستدراجه إلى منزله في مخيم الشاطئ، ومن ثم قتله بعد أدائه صلاة العصر مباشرة بأن ضربه على رأسه بآلة حادة، وأكمل جريمته بسكين كبيرة، وسلب ما بحوزته من أموال.
من جهتها، أوضحت وزارة الداخلية في بيان تسلمت "الأيام" نسخة منه أن قوات الشرطة نفذت فجر أمس أحكام الإعدام بحق أربعة من المدانين بارتكاب جرائم قتل، مشيرة إلى أنه تم تنفيذ حكم الإعدام بحق ثلاثة شنقاً داخل سجن غزة المركزي، فيما أعدم الرابع رمياً بالرصاص في ميدان الرماية بمقر الشرطة "الجوازات".
وأشارت "الداخلية" الى أن تنفيذ أحكام الإعدام جاء بعد استيفاء كل الإجراءات القانونية اللازمة.
إلى ذلك، رحبت بعض الفصائل بعملية الإعدام، حيث طالبت حركة "حماس" على لسان المتحدث باسمها سامي أبو زهري باستكمال هذه الخطوة والعمل على تنفيذ الأحكام الصادرة بحق العملاء والمتورطين في التخابر مع جهاز الأمن الإسرائيلي "شاباك". واعتبر أبو زهري في تصريح صحافي أن عملية الإعدام إيجابية، مشدداً على استكمالها وضرورة أخذ السلطة الوطنية دورها في ملاحقة العملاء والجناة، وتنفيذ أحكام القضاء بحقهم، حتى لا تقوم الفصائل بأية خطوات اجتهادية.
بدورها، أكدت حركة الجهاد الإسلامي على لسان أحد أبرز قيادييها الشيخ نافذ عزام ضرورة استكمال عملية إعدام كل المتورطين بجرائم قتل، والتخابر مع الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً ذلك خطوة على طريق ضبط حالة الانفلات الأمني، التي يشهدها الشارع الفلسطيني، ولتوفير الأمن والأمان للمواطنين.
وشدد عزام على أهمية هذه الخطوة الإيجابية التي طالما طالبت بها الفصائل من قبل، لأن ذلك يعتبر جزءاً من احترام القضاء، وبسط سيادة القانون، ووضع حد لحالة الفوضى والفلتان الأمني التي أصبحت تؤرق الجميع وتهدد أمن وأمان المواطنين.
وانتقدت مؤسسات حقوق الإنسان إقدام السلطة على تنفيذ احكام الإعدام. وقال المحامي راجي الصوراني رئيس المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة: "الإعدام لا يحل المشكلة الأمنية، كما أن هذه الإعدامات انتقائية، ولو كانت السلطة جادة في ذلك لبدأت بتنفيذ الأحكام الصادرة بحق عدد من العاملين في الأجهزة الأمنية الذين ارتكبوا جرائم وما زالوا طلقاء يرتكبون المزيد تحت حماية أجهزتهم".
ويرى الصوراني أن السلطة تهرب إلى الإمام في سعيها لحل مشكلة التردي الأمني داعياً الى تطبيق فلسفة تقوم على استقلال القضاء، وتطبيق الأحكام الصادرة بحق الجميع دون استثناء.
وجدد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان معارضته عقوبة الإعدام باعتبارها عقوبة قاسية جداً وانتهاكاً للحق في الحياة، ولا تشكل رادعاً للجريمة في البلدان، التي لا تزال تطبقها، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة العربية السعودية، داعياً السلطة الوطنية والمجلس التشريعي إلى إلغاء هذه العقوبة من التشريعات الفلسطينية، واستبدالها بعقوبة السجن.
وطالب بإعادة محاكمة جميع الأشخاص، الذين صدرت بحقهم أحكام عن محكمة أمن الدولة، ومحاكمتهم أمام محاكم مدنية.
وأبدى المركز استغرابه من تنفيذ هذه الأحكام بالذات دون غيرها، مشيراً إلى أن من نفذت الأحكام بحقهم كانوا مدانين بجرائم ذات طابع جنائي، وأن التنفيذ لم يطل أياً من المحكومين بالإعدام على خلفية إدانتهم بالتعاون مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.(الأيام).