تصاعدت خلال هذا الأسبوع أعمال القتل والتدمير الصهيونية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، بشكل ينذر بانهيار شامل للأوضاع الأمنية والسياسية بالضفة الغربية وقطاع غزة. ورغم أن إدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت تربط الحوادث الأخيرة بقيام عناصر من المقاومة الفلسطينية باختطاف جندي إسرائيلي، فرنسي الأصل ، إلا أن تسلسل الأحداث يشير إلى أن الأمور بين السلطة الفلسطينية والإدارة الإسرائيلية قد بدأت في التدهور بشكل ملحوظ إثر فوز حماس في الانتخابات النيابية، وتكليفها بتشكيل حكومة فلسطينية في بداية شهر فبراير من هذا العام 2006. وقد وصف انتصار حماس الساحق بتسونامي، وبالزلزال الفلسطيني من قبل أجهزة الإعلام العربية والعالمية.
لكن تطور الأحداث أكد أن انتصار حماس كان زلزالا بالنسبة للصهاينة، لم يتمكنوا من قبوله والتعايش معه. وكان التوقع أن يؤدي انتصار حركة المقاومة الإسلامية إلى دخول "العملية السلمية" مرحلة جديدة، تتجه فيها حماس إلى المباشرة الفعلية في حل المشاكل الاقتصادية وقضية البطالة ومواجهة استفحال الفساد، وكان ذلك ضمن برنامجها الذي تمكنت من خلاله حصد معظم المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني. وكان ذلك يعني، في الجانب الآخر، أن تمر الضفة والقطاع بحالة استرخاء، وتتراجع عمليات المقاومة المسلحة، خاصة أن حماس قد عبرت عن استعدادها للدخول مع الكيان الصهيوني في هدنة عسكرية طويلة.
إلا أن تطور الأحداث قد جاء عكس هذه التوقعات، فالصهاينة رفضوا فكرة الهدنة مع حماس، وطالبوها بالاعتراف بإسرائيل، كمقدمة لا بد منها للتعامل مع الحركة. ومارست الحكومة الإسرائيلية حصارا اقتصاديا قاسيا على الفلسطينيين. ومن سوء طالع رئيس الوزراء الجديد، السيد إسماعيل هنية أنه وجد الخزينة فارغة، والمديونيات عالية. وضمن هذا الواقع الصعب، لم يكن هناك مجال لتلبية الحاجات الأساسية للفلسطينيين، فضلا عن الوفاء بالوعود التي قطعتها الحركة على نفسها، في برنامجها الانتخابي، والتي تعهدت فيها بالقضاء على الفساد، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
وتماهت الإدارة الأمريكية، كعادتها، مع الكيان الصهيوني، وشاركها الأوروبيون، فانتقل الحصار من حالة إسرائيلية، ليتخذ شكلا أمميا، شاركت فيه والتزمت به معظم حكومات العالم، وبضمنها بعض الدول العربية، إما اصطفافا مع المشاريع الصهيونية والأمريكية، أو خشية من العصي الأمريكية الرادعة. وكانت النتيجة أن تم منع وصول المساعدات والتحويلات المالية للفلسطينيين من الخارج. وساهم العالم، بفعله أو بصمته العاجز في تجويع الشعب الفلسطيني.
لم تكتف الحكومة الإسرائيلية بالحصار، بل واصلت عمليات قنص القادة المقاومين في حركتي حماس والجهاد، اغتالت عدداً من القيادات البارزة، وقامت باعتقالات واسعة شملت دون استثناء جميع حركات المقاومة، وإن كانت حصة الأسد فيها قد خصصت لحركتي حماس والجهاد الإسلامي. وانتقلت بعد ذلك إلى التهديد بقتل قادة حماس، وقتل المسؤولين الأمنيين الذين تعينهم الحكومة الفلسطينية، إذا لم تقدم حماس تنازلات باتجاه الاعتراف بمشروعية اغتصاب الصهاينة لفلسطين. ومارست للأسف بعض الدول العربية ضغوطا كبيرة على قادة حماس لدفعهم إلى القبول بالشروط الإسرائيلية لفك الحصار. وحين رفضت هذه القيادة الخضوع، بدأ التنفيذ الفعلي للتهديدات.. بدأت وتيرة الإرهاب والقتل في التصاعد، وشمل مسلسل الترويع الصهيوني قياديين في حركتي حماس والجهاد الإسلامي من أمثال الشهيد جمال أبو سمهدانة، أمين عام لجان المقاومة الشعبية، والشهيد عمار شهاب أحد قياديي كتائب الأقصى الجناح العسكري للجهاد..
وبقي العالم بأسره، متفرجا، دون تحريك ساكن، وحتى حين علت استغاثات الطفلة الفلسطينية البريئة، هدى، تطلب العون بعد أن قتل جميع أفراد عائلتها، بقصف الطيران الإسرائيلي، أثناء استجمامهم على الشاطئ في عطلة نهاية الأسبوع، لم يتحرك للضمير العالمي نبض، وكانت قمة الاستهجان بالأرواح الفلسطينية قد جاءت من واشنطن، حين صرح الرئيس الأمريكي، جورج بوش أن إسرائيل، في هذه المجزرة، كانت تمارس حق الدفاع عن النفس.
لم يبق للفلسطينيين، أمام هذا الصمت المطبق، سوى أن يتولوا بأنفسهم عملية الدفاع عن وجودهم، وأن يكفوا عن طلب العون من الآخرين، وبضمنهم أشقاؤهم العرب. وهكذا من جديد بدأت عمليات المقاومة في التصاعد. قصف للمستوطنات الصهيونية، ومواجهات يومية لقوات الاحتلال.. عنف في مقابل عنف.. وعين بعين، والبادئ أظلم. فليست هناك من لغة أخرى يمكن أن يفهمها العدو. وتستمر دائرة القتل، لكن ضحاياها لن يكونوا من طرف واحد، كما تريد "إسرائيل".
كانت لغة المقاومة الفلسطينية واضحة وجلية... منطقية ومفهومة إما أن يعم السلام لينعم به الجميع، ولا يكون لمصلحة فريق، أو لا يكون أبدا. وفي هذا الإطار جاءت عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي. وحاله في ذلك، بموجب القانون الدولي، مختلف عن حال المقاومين الفلسطينيين. فقد ضمنت شرعة القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة حق المقاومة للشعوب التي تقع تحت سيطرة الاحتلال. وقد مارست هذا الحق معظم شعوب العالم التي عانت من الاستعمار، أما الجندي، فهو مرتزق غادر وطنه فرنسا، وهاجر إلى فلسطين، ليغتصب حقوق أهلها، وحاله في القانون الدولي، حال المرتزقة الآخرين الذين قاتلوا في الكونغو وغينيا، وعدد آخر من بلدان العالم، ليس هناك من شرعية دولية تحميه.
وكان المطلب الفلسطيني، بسيطا وواضحا، إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، مضى على بعضهم داخل السجون أكثر من عشر سنوات، مقابل هذا الجندي المرتزق. العالم الذي صمت طويلا، استشاط غضبا، لأن جنديا إسرائيليا تم خطفه من قبل المقاومين.. وبدأت المطالبة بإطلاق سراحه تأتي من كل صوب. وتوسط الحكام العرب لدى الفلسطينيين، يناشدونهم التخلي عن مطالبهم في إطلاق سراح الأسرى الذين ليس لهم أي ذنب سوى مقاومة الاحتلال والمطالبة بالحفاظ على أرضهم وكرامتهم، وحقهم في تقرير مصيرهم.. هذا العالم الذي سكت طويلا، وهو يعلم أن السجون الإسرائيلية تحتفظ بأكثر من عشرة آلاف سجين فلسطيني، ينتخي الآن مطالبا بإطلاق سراح أحد شذاذ الآفاق، مؤكدا انحيازه الفاضح ووقوفه إلى جانب العدوان. وإلا فكيف نفسر هذه المعادلة الجائرة؟ كيف يكون لإطلاق سراح مرتزق واحد، لم يمكث بالسجن سوى عدة أيام، أرجحية على عشرة آلاف معتقل فلسطيني، قضوا داخل السجون أعواما كثيرة؟.
وقد قابل الصهاينة مطالب الفلسطينيين بإدخال دباباتهم وجرافاتهم إلى شمال غزة، وقيام مروحية إسرائيلية بإطلاق صاروخ على مبنى لمؤسسة خيرية. وأصاب صاروخان أيضا مناطق في شمال غزة قرب بلدة بيت لاهيا. وجاء ذلك بعد أن شنت طائرات إسرائيلية هجوما صاروخيا قبل ذلك على مكتب رئيس الوزراء الفلسطيني، إسماعيل هنية. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت قد أعلن خلال اجتماع لمجلس وزرائه أنه سوف يلاحق القادة الفلسطينيين ويقتلهم، وأضاف أنه لا حصانة لأحد.
ورد الجناح العسكري لحركة حماس وناشطون آخرون على الإرهاب الإسرائيلي بالتهديد بشن هجمات داخل إسرائيل. وقال أبو قصي وهو أحد المتحدثين باسم كتائب شهداء الأقصى المرتبطة بحركة فتح إن الكتائب والجناح المسلح لحركة حماس سينفذان "هجمات مزلزلة ضد الصهاينة".
ومن جهة أخرى، رفضت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تصريحات جون بولتون المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة، التي وصف بها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة بـ "الإرهابي الدولي"، وطلب من الرئيس السوري اعتقاله. وقال مصدر مسؤول في الحركة: "إن تصريحات بولتون، المعروف بتبعيته وولائه للكيان الصهيوني، تزيدنا قناعة بأن الإدارة الأمريكية لا يمكن لها أن تلعب أي دور إيجابي في المنطقة، طالما أنها تقف إلى جانب الكيان الصهيوني في عدوانه". وأضاف يقول: إن أفعال جيش الاحتلال الإسرائيلي كفيلة بالرد على بولتون وتساءل: "هل الإرهابي هو من يسعى لتحرير أرضه وتحقيق مصلحة شعبه ومنها إطلاق سراح أسراه؟، أم إن الإرهابي الدولي هو من يواصل جرائمه وعدوانه وحصاره لشعب أعزل لا يطالب إلا بحقوقه وتحرير أرضه؟".
رغم كل الضجيج والاستغاثات جاء جواب المقاومة حاسما في هذا الصدد، فقد أمهلت ثلاث مجموعات فلسطينية تحتجز الجندي، في بيان وزع في غزة يوم الاثنين، إسرائيل مهلة تنتهي صباح الثلاثاء لتلبية مطالبهم بالإفراج عن معتقلين فلسطينيين. وقالت كتائب عز الدين القسام (الجناح المسلح في حركة حماس) وألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام في بيان لها إنه "أمام إصرار العدو لإسقاط جميع المعايير الإنسانية وإصراره واهما على إجراءاته العسكرية واستمرار عدوانه فإننا نمهل العدو الصهيوني حتى الساعة السادسة من صباح الثلاثاء". وأضاف البيان "ما لم يستجب العدو لمطالبنا الإنسانية الواردة في بياننا السابق فإننا نعتبر الملف الحالي قد طوي وحينها على العدو أن يتحمل كامل النتائج".
من جديد يؤكد الفلسطينيون على عشقهم للحياة ورفضهم للذل والمهانة، واستعدادهم لبذل الغالي والنفيس من أجل الدفاع عن شرفهم وعرضهم ونيل حقهم في تقرير المصير. وفي المقابل، يؤكد العالم أن قتل أمرئ في غابة جريمة لا تغتفر، وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر. - التجديد العربي 8/7/2006 -