|
بين اللقاءات السرية.. والمفاوضات المباشرة الشأن الداخلي هو الأساس
الموقع الأصلي:
قدمت مفاوضات واشنطن مادة غزيرة للاعلام ومجالاً لاشتغال المحللين السياسيين في مختلف وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لدرجة ان المرء يشعر بالشفقة على القارىء او المستمع الذي حاول متابعة ذلك، مع الافتراض بأن الذين تابعوا كل التفاصيل والتقارير هم قلة قليلة جداً من الناس في حين ان الكثيرين رأوا في تلك المفاوضات اعادة لفيلم فاشل شاهدوه في كامب ديفيد 2000 وفي انابوليس 2007 واليوم في واشنطن ولا احد يعرف متى وأين سيكون العرض القادم بالرغم من التضاؤل والتناقص المستمر في عدد المشاهدين او الوافدين الى شباك التذاكر.
ورغم ذلك فإن المرء ربما يلاحظ بعض العناصر الجديدة فيما يحدث والتي تجدر الاشارة اليها في معرض التعليق على تلك المفاوضات. أولى هذه الملاحظات هي وكما كان الحال في كامب ديفيد 2000 فقد ارغم المفاوض الفلسطيني على الذهاب الى المفاوضات رغم قناعته بأنه لم يتم الاعداد لها جيداً وأنها ربما تكون محكومة بالفشل مسبقاً. فقبل التوجه الى واشنطن، وبالرغم من النفي الرسمي الفلسطيني والاسرائىلي فإن لقاءات سرية تمت بين الجانبين يقال انها تمت بين د. صائب عريقات واسحق مولخو أكدت ان لا جديد في الموقف الاسرائيلي وان ما تقوله القيادة الاسرائيلية لوسائل الاعلام هو نفس ما تقوله في الاتصالات السرية وبشكل خاص ما يتعلق بالقدس وغور الاردن واللاجئين ونزع السلاح واستمرار الاستيطان. وقد وفرت محصلة اللقاءات السرية بين عريقات - مولخو قناعة لدى الرئيس محمود عباس بأن لاجدوى من الذهاب الى المفاوضات المباشرة فتمسك بطلبه تجميد الاستيطان وأصر على ذلك مطولاً الي ان تعرض للضغط والابتزاز المالي والسياسي واضطر في ظل التخاذل العربي الى التوجه لهذه المفاوضات وهو يدرك ضآلة فرص نجاحها او حتى معدوميتها!. والملاحظة الثانية هي ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو وظف اقصى قدر يملكه من البراعة اللغوية والدعائية في اتصالاته مع الادارة الاميركية واستطاع قبيل اللقاءات الأخيرة اقناع الادارة الاميركية بوجهة نظره من حيث طبيعة وشكل الحل الذي يمكن التوصل اليه وضرورة عدم التدخل الاميركي المباشر في المفاوضات، وباتت ادارة اوباما «تتفهم» الادعاءات الأمنية الاسرائيلية فيما يتعلق بغور الاردن، وهشاشة الائتلاف الحكومي الاسرائيلي وضرورة الحفاظ عليه، واحتياجات اسرائيل الاقليمية في الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية وخطر الحديث في موضوع اللاجئىن الفلسطينيين وحقهم في العودة. اما الملاحظة الثالثة، فهي ان ادارة اوباما اقتنعت بوجهة النظر الاسرائيلية بأن القيادة الفلسطينية قادرة على تقديم المزيد من التنازلات لتحقيق تسوية للصراع وان كل ما هو مطلوب هو توير غطاء عربي للتنازلات المطلوبة من الفلسطينيين لانه، وحسب الادعاءات الاسرائيلية، فإنه كان من الممكن توقيع اتفاق مع الرئيس عرفات عام 2000 ولكنه لم يستطع ان يتنازل ويوقع لأنه لم يتوفر له غطاء عربي آنذاك، وحذار ان تتكرر نفس الغلطة مع الرئيس ابو مازن!.. وهكذا فقد جهدت لتوفير مثل ذلك الغطاء!. ما يدور الآن في الكواليس الاسرائيلية الاميركية لا يختلف كثيراً عن الموقف الاسرائيلي الذي روجه نتانياهو واستطاع تسويقه في واشنطن، والخوف كل الخوف هو ان تجد القيادة الفلسطينية نفسها مرة اخرى امام الحائط!.. مع استمرار الضغط عليها لقبول استمرار اداء اللعبة التفاوضية حتى ولو لم تؤد الى اي مكان، ومع استمرار البناء في المستوطنات لأن نتانياهو أقنع ادارة اوباما بأن البناء يتم فقط في المناطق التي سيتم ضمها لاسرائيل في اطار التسوية، ولا شك ان اتفاقية الأطار التي يتحدثون عنها ستتضمن اشارة الى مبدأ تبادل الاراضي وهذا بحد ذاته يعطي شرعية واعترافاً باستمرار البناء في المستوطنات، لأنها حسب الزعم الاسرائيلي، واقعة في المناطق التي سيتم تبادلها!.. هل كان ذهاب عباس خطأ ام امراً لا مناص منه؟ استطيع ان اجزم ببداهة بأن الرئيس عباس لن يفرط بأي حق اساسي فلسطيني بالرغم من مرونته المتناهية في التكتيك والعمل السياسي لاسيما في غياب وسائل الضغط الفلسطينية والعربية وفي ظل غياب موقف عربي واحد مخلص وصادق في دعم الموقف الفلسطيني والدفاع عنه بعد ان اصبح بعض العرب عرابين للسياسة الامريكية يحاولون تحسين علاقاتهم مع الادارة الامريكية من خلال أداء ما يطلب منهم من ضغط يمارسونه على الجانب الفلسطيني. ومع ذلك فإن المراقب ليستطيع ان يجزم ايضاً بأن هذه اللعبة التفاوضية باتت محدودة الاجل، واننا عاجلاً ام آجلاً سنجد انفسنا مضطرين اما لقول «لا» وحتى لو كان الثمن الانهيار المالي للسلطة الفلسطينية وما يترتب على ذلك من حالة دمار شامل وانفجار داخلي بعد ان اصبح مئات الالاف يعتمدون في حياتهم اليومية على بقاء السلطة وادائها وخدماتها. واما قول «نعم» مما يعني التفريط الكامل والشامل بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وقبول تسوية لن تحظى بالتأييد الشعبي الفلسطيني. والى جانب هذين الخيارين فإن البعض قد يرى ان من الممكن استمرار المراوحة في نفس المكان، لا الدخول في اتفاقية مجحفة ولا اعلان انهيار السلطة والتذرع بأن الزمن سيفعل ما يشاء وان الاهم هو الحفاظ على صمود شعبنا وبقائه الى ان يقضي الله امراً مفعولاً، لاسيما وحسب اصحاب هذا الرأي، فإن الوقت وعلى المدى البعيد يعمل لصالحنا. واياً كان القرار فإن من الضروري والى جانب استمرار او تلكؤ العملية التفاوضية ان يعطي الاهتمام الاكبر للشأن الداخلي الفلسطيني وهناك امور كثيرة ومهمة جداً لابد من التصدي لها وعملها بغض النظر عن فشل او نجاح العملية التفاوضية. أولى هذه المهام هي العمل الجدي لرأب الصدع الداخلي وانهاء الانقسام وعدم السماح لبعض المستفيدين من استمرار هذا الانقسام هنا في رام الله وهناك في غزة من ان يقرروا مستقبل ومصير الشعب والقضية. هذا الانقسام هو كارثة لابد من انهائها والتوجه فوراً الى صناديق الاقتراع لجعل الشعب يقول رأيه في الرئاسة والتشريعي وسلطات الحكم المحلي. وثاني هذه المهام هو اعادة المضمون الى منظمة التحرير الفلسطينية التي باتت اطاراً خالياً من المضمون ومن القدرة على العمل، ولعل كل من شاهد الحلقات التي يبثها تلفزيون فلسطين هذه الايام من داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان قد لاحظ الفشل الذريع في تعبئة هذه المخيمات وتطويرها والحفاظ على كرامة اهلها وتمتين علاقتهم بالوطن الام فلسطين، لان تركهم نهبا للفقر والجوع والحاجة والقهر الذي يمارس ضدهم في لبنان جعل الكثيرين منهم لا يفكرون الا في لقمة العيش فنسوا مدن فلسطين وقراها بل والقدس عاصمتها..! وثالث هذه المهمات، هي ضخ دماء جديدة الى الطواقم الفلسطينية التي تقود العمل الفلسطيني وخاصة في نقاط التماس او الاحتكاك مع الطرف الاسرائيلي. فلا يعقل ان نظل نتعامل مع هذا الطرف بنفس العقلية ونفس الاشخاص الذين تعاملوا معه منذ قرابة العشرين عاماً واصبح الامر حكراً عليهم واجتهاداتهم التي لم تنتج شيئاً ابداً. لا توجد اي دلالة بأن المفاوضات القادمة ستسفر عن اي شيء سوى خدمة المصالح الداخلية الامريكية والاسرائيلية والعربية، ومهما كان القرار المستقبلي الفلسطيني فإن الشأن الداخلي يبقى هو الاساس وهو الاولوية الاولى. فهل يمكن ان يكون ذلك. http://www.miftah.org |