د. برنارد سابيلا: هبّة القدس أحيت دور الشباب في حماية الهويّة الوطنيّة والتصاقهم بجغرافيّة المكان وقدسيّته
بقلم: مفتاح
2021/6/19

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=15517

محمد ومنى الكرد ظاهرة تشبه قوس القزح بألوانه المتعددة والمختلفة

مقدمة

انطلقت الهبة الشعبية الأخيرة بشرارة القدس التي حملها الشباب الفلسطيني، الذين كان لهم الدور الأهم في حماية الهوية الوطنية الفلسطينية في المدينة، وفشل كافة محاولات تغييب هذا الدور، وإعادةً لطرح أسئلة الهوية والانتماء في صدارة القضايا التي تعني الشباب.

في "ضيافة مفتاح" نناقش د. برنارد سابيلا، أستاذ علم الاجتماع وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني السابق عن دور الشباب الهام حول مجمل التطورات المتعلقة بهبّة القدس الأخيرة ونتائجها ودور الشباب فيها، وما قد يحمله المستقبل من توقعات إزاء هذا الدور المتنامي للشباب.

"أوسلو" عجزت عن تغييب دور الشباب

قال د.سابيلا، أن النتائج المترتبة على اتفاقية أوسلو لم تستطع تغييب دور الشباب المقدسي، لكنها ساهمت في وضع أسئلة الهوية والانتماء في محلّ الصدارة، وإنّ تغييب الدور الفلسطيني الرسمي والمعيقات والإجراءات التي اتبعتها سلطات الاحتلال للجم وتقنين الحضور الفلسطيني الرسمي، أوجدت فراغاً سياسياً شعر به المقدسيون عامة وليس فئة الشباب فقط، وصاحب هذا الفراغ ارتباط ثلث القوة العاملة المقدسيّة وأغلبها من الشباب بالاقتصاد الإسرائيلي ومتطلباته التشغيلية وبخاصة في القدس الغربية، وحلّل البعض هذا الارتباط التشغيلي على أنه مؤشر لخلخلة الهوية الفلسطينية عند الشباب وإضعاف انتمائهم الوطنيّ.

ويضيف سابيلا، أن المفاجأة كانت بأن هؤلاء الشباب كانوا الأوائل في الدفاع عن الحرم القدسيّ، وعن طابع المدينة الفلسطيني في كل الأحداث التي تحدت الفلسطينيين وطابع مدينتهم من هبّة النفق وهبّة البوابات، إلى تلك التي صاحبت زيارة شارون الاستفزازية وغيرها من التحديات حتى رمضان هذا العام. ولم يتوان الشباب في قبول التحدي والتصدي لما يرونه بشكل عفوي تحدٍّ رئيسي لهويتهم ومكوناتها. وبالتالي دور الشباب موجود حتى ولو مرّ بأوقات هادئة نسبياً ينشغل بها هذا الشباب بأمور وملهيّات مثل باقي الشباب في العالم.

"التراكمات السياسية والاجتماعي والاقتصادية أشعلت الفتيل بدل الإحباط"

وأشار سابيلا، إلى أن الهبّة الأخيرة لم يكن مخطّطٌ لها، وتذكّره بالانتفاضة الأولى بشكل خاص وإن وجدت عناصر فلسطينية سواء رسمية أو غيرها دفعت باتجاه حصولها وبخاصة بعد قرار إلغاء الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 22 أيار المنصرم.

واعتبر أن الهبّة مثل الانتفاضة تحدث على حين غرّة، ولكنها تكون عادة نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية تدفع للإحباط وانعدام الثقة بإيجاد حلول للمشكلات الملحة التي يعاني منها المجتمع وفي حالة القدس الشباب بشكل خاص. فالسلطة الفلسطينية مغيّبة وإن أبدى مسؤولوها نوايا طيبة، فإنهم لا يستطيعون التنفيذ. أما الفصائل فمنشغلة بقضايا اللا- وحدة وكلٌّ منها منشغلٌ ومأخوذٌ بالبعد السياسي بشكل أساسي. أما القضايا المتعلقة بالهوية الموحدة وبمشاعر الانتماء، فإنها أصبحت رهينة للتقاسمات وللتجاذبات الفصائلية، وفي كل هذا يجزم الاحتلال بأن السيطرة على المكان وعلى السكان ممكنة بالعسكر وباليد الحديدية وبمزيد من التهويد ضارباً عرض الحائط بالحقوق الأساسية للمواطنين الفلسطينيين دون احترام لقدسية المكان ولحق الناس في مساحتهم السكنية والدينية والثقافية والقومية.

الروح الوطنية والاستمرارية

إلى ذلك، أكد سابيلا على صعوبة في البناء على هذه الروح الوطنيّة، مع العلم بأنها ستستمر في التأكيد على ذاتها وبخاصة في الأزمات والتحديات التي تفرض نفسها؛ وتكمن الصعوبة في حالة التشرذم التي نعاني منها وغياب وتغييب الأطر الاجتماعية والثقافية الأشمل والتي يمكن أن تنقل الروح الوطنية عند الشباب لمرحلة تؤكد على الانتماء وعلى الاندماج بقضايا المجتمع لإيجاد الحلول لها بشكل مثابر ومستمر. وقال "يحضرني هنا سؤال "من يعلّق الجرس؟"، ولا أرى جواباً شافياً في هذا الخصوص. وستبقى التراكمات التي أدت لهذه الهبّة معنا، وستكون هناك هبّات أخرى ما دام وضع القدس كما هو. وسيذهب الشباب كل لعمله وربما أيضاً للّهو، ولكن المحصلة الأخيرة إذا بقيت الأمور على ما هي عليه، فإنّ هبّات أخرى ستأتي لمواجهة التحديات والإجراءات واقتلاع السكان واقتحامات متتالية وتحديات تبدأ في باب العامود ولا تنتهي عند أي باب من أبواب القدس"

السياسات الإسرائيلية تصر على نفي فلسطينية القدس

أكد سابيلا على وجوب التمييز بين مستويين اثنين للسياسات الإسرائيلية، فهناك مثلاً السياسات التي تمنع أي نشاط لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس حتى تلك التي يرفع فيها الشباب أو الأطفال علم فلسطين؛ وهذا المستوى يعكس إصرار صنّاع القرار الإسرائيلي على نفي فلسطينية القدس الشرقية وإيجاد الفراغ السياسي فيها وملاحقة كل من يعمل سياسيّاً فيها. يبقى هذا الفراغ عاملاّ مهمّاً في تحفيز الهبّات المتلاحقة عند الشباب. ولكن هذه الهبّات تشتعل بفعل المستوى الثاني للسياسات وهي التي تحدث بفعل المواجهات العفوية بين الشباب والمستوطنين أو تلك التي تجري بين الحين والآخر ما بين الجنود المتمركزين في باب العامود أو في محيط المسجد الأقصى ومجموع الشبان ما ينتج عنها جرحى وشهداء واعتقالات تخلف عادة مشاعر غضب وإصرار على المواجهة إن لم تكن آنية ففي وقت لاحق. وتساعد السياسات الرسمية على خلق الجو العام الذي يمكن المستوطنين من المسّ بمشاعر السكان وبإخلائهم من بيوتهم وبالتملك بطرق ملتوية، وبالعمل لمحاولة تقسيم الحرم الشريف مكانياً وزمانياً.

وقال سابيلا، إنّ أهل القدس وشباب القدس يعيشون تجربتهم الحياتية والتراثية بعيداً عن الأوهام في إنقاذ عروبي أو دولي. وبالتالي فإن انعدام الفعل العربي والدولي يقابله إصرار الفلسطينيين وبخاصة شبابهم في أن يفعلوا ويتفاعلوا مع القدس كما يعيشونها. لم تكن هبّة القدس نداء مستعجلاً للحكام العرب أو حتى لحكام الدول المتنفذة في العالم، وإنما انعكاساً لتأكيد المقدسيين وشبابهم على التصاقهم بجغرافية المكان وقدسيته وعبق تاريخه، وبأنهم هنا رغم كل الإجراءات والقيود.

الشباب وآفاقهم خلال الهبّة

ظاهرة محمد ومنى الكرد.. هي ظاهرة الشباب الفلسطيني التي تشبه قوس القزح بألوانه المتعددة والمختلفة. شبابنا الفلسطيني لديه طاقات غنية سواء بالمرافعة عن قضيتنا أو الكتابة أو إثراء المؤسسات التي يعمل بها. وهذا الشباب ينطلق من إيمان وليس من ارتباط حزبي أو فصائلي. للأسف، فإن هذا الشباب وحين أتكلم عن الشباب فإنني أجمل أيضاً الشابات قلّما يحظى بالاهتمام والدعم. هم الجيل الذي سيرث جيلنا وبقدر ما ينتج شبابنا في المجالات المختلفة، فإنهم يصبحون الداعم الرئيس الذي يؤكد على حقوقنا وعلى وجودنا ليس في القدس فقط، هكذا وصف سابيلا ظاهرة الشاب محمد والشابة منى ودورهم خلال الهبة الحالية.

وقال سابيلا، إنّ العديد من شبابنا يملكون المهارات والطاقات والقدرات التي يوظفونها بفعل انتمائهم وهويتهم. وهم يتواجدون في الوطن وفي خارجه، ولعبوا دوراً رائداً في التواصل مع حشود شعبية واسعة في مختلف دول العالم ووسائل إعلامها ومؤسساتها التي تعمل في مجال حقوق الإنسان والقضايا التي تتعلق بحق تقرير المصير لشعبنا. لم يتوقعوا مكافأة لعملهم، وذلك لإيمانهم بأنّ مسير حياتهم مرتبط بمسير حياة شعبهم، وكانت هبّة القدس وما أعقبها من حرب عاثت خراباً وقتلاً بأهل غزة وعمرانها دافعاً لهؤلاء الشباب والشابات ليظهروا على شاشات التلفاز وليغنّوا للقدس وغزة وفلسطين. مكافأتهم الوحيدة أنهم يعبّرون عن الألم مؤكدين في الوقت نفسه على قضية الخلاص من الاحتلال والتحرير، ومثل غيرهم من فلسطينيي الداخل وجالياتنا في أصقاع الأرض وقفوا متكاتفين بدون أي تنسيق اصطناعي وبدون توجيهات من هذه الجهة أو تلك.

وحول شدة القمع في حملات الاعتقال أشار سبيلا إلى أن هدفها التهدئة لفترة معينة. دائماً السلطات تحاول أن تجد حيّزاً زمانياً تشعر به بالراحة النفسية. ولكن هل هذا سيمنع أو سيوقف هبّات جديدة؟ أنا أشك بذلك، لأنّ المشكلة بحاجة إلى حل جذري، وتبقى المشكلة سياسية تتطلب حلاً سياسياً. ولكن إذا أراد العسكر أن يحتوي الشباب بطريقة قمعية فستبقى المشكلة قائمة. في حين أنّ هناك غياباً للمؤسسات والأطر التي تحتوي الشباب، وفي وضع القدس لن يكون هناك أي حلً طالما الاحتلال مستمر.

الشباب وغياب الفصائل

الشباب الفلسطيني في القدس لديهم وضعاً استثنائياً كما يرى سابيلا، فمن ناحية الهوية، هويّتهم مزيج خليط من انتماء للقدس، وهذا أحد أهم مكونات الهوية بالنسبة إليهم. لقد أصبحت الهوية الشبابية في القدس جامعة تغطي القدس ولا تقف عند هويّة الشاب الشخص. من ناحية ثانية هؤلاء الشباب لديهم هوياتهم وتطلعاتهم الشخصية، لكن هناك مرات عديدة كان الشباب فيها مستعدون للتضحية بهذه التطلعات في سبيل تأكيد هويتهم الأكثر شمولية وهم يدفعون الثمن. علماً بأن هؤلاء الشباب حتى الذين يعملون في المنشآت الإسرائيلية المختلفة في القدس الغربية وخارجها لم يستوعب ولن يستوعب الثقافة الإسرائيلية حتى لو وجد بعض الشباب الذين يعطون انطباعاً عن أنفسهم بأنهم متأثّرون بهذه الثقافة. لكن حين يكون هناك تحدٍّ للمقدسي ترى أنهم أنفسهم يأتون للدفاع عن القدس وباب العامود والحرم القدسيّ الشريف. فهي مكوّنات خرجت من القدس ذاتها، ولكن بحكم الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 67 هناك البعد التأثيري الإسرائيلي الذي يختفي مباشرة في حالات المواجهة.

وأشار سابيلا إلى أن الفصائل والأحزاب الفلسطينية في واد والناس والقدس في وادٍ آخر حيث لهذه الفصائل والأحزاب أجندتها الخاصة. أما أهل القدس وشبابها فلديهم أجندتهم الحياتية التي تؤكد على وجودهم ووقوفهم أمام هجمات استيطانية لا تجد لها دعماً مباشراً من هذه الفصائل، بمعنى أن أجندتها سياسية ممزوجة في بعض الأمور الثقافية والاجتماعية والصحية، لكنّها لا تقترب من الشباب. وأحد الأسباب الرئيسية هو أن القدس وضعت في مكانٍ مؤجل ومتأخر من المفاوضات، وبالتالي أعطينا الإسرائيليين المقدرة اللازمة لخلق فراغ فلسطيني في القدس، وأردنا أم لم نرد، فإن هذا يعكس نفسه على انعدام رؤيا سياسية واقعية لكيفية التعامل مع القدس وتحدياتها وشباب القدس. وبالتالي لدينا أزمة فيما تستطيع الفصائل والسلطة الفلسطينية أن تقدمه للقدس وأهلها، وأنا لا أتكلم هنا عن الأموال فقط، ولكن عن شمولية القدس، حيث أننا همّشناها.

ما المطلوب:

هبّة القدس تؤكد على الهوية الفلسطينية في نوعها واختلاف مواقعها. هي كمن يدقّ على جدران الخزّان، ويصرّ على أن الدقّ على الجدران هو بداية جديدة رغم كل التضييقات التي تحاول قطع الهواء عن شعبنا وعن قضيته العادلة. علينا الكثير من العمل والمثابرة لمتابعة مشوار القدس وهبّتها، ولا يمكن اقتطاف ثمرة الهبّة دون تكاتف يجمع الكل الفلسطيني ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما في المجالات الثقافية والتراثية والاجتماعية. وهناك دور تلعبه مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في المساهمة في تكثيف الجهود وفي استقطاب شبابنا وشاباتنا في العمل ضمن هذه المؤسسات لإيجاد القاسم المشترك الذي يدفع بقضيتنا قدماً ويؤكد فيما يؤكد عليه أن القدس مثلها مثل باقي مدننا وقرانا وبلداتنا في القلب، وبأننا أهل قضيتنا وسندها ولا مات حق وراءه مطالب.

http://www.miftah.org