في المقالة الاولى، التي تبحث تناول العرب عامة والفلسطينيين خاصة قرار الامم المتحدة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 في شأن تقسيم ارض اسرائيل الانتدابية الى دولتين، يعود أفنيري ليقول إن "الجمهور العربي نقصه حتى قدر ضئيل من التأمل الداخلي والنقد الذاتي" في هذه القضية. وكأنه لا تكفي هذه التقريرات المطلقة حتى يبالغ أفنيري ويقول: "لا يوجد الى اليوم أي كتاب (عربي وفلسطيني) يثير السؤال: هل ربما يكون العرب اخطأوا برفضهم المصالحة، الأليمة، للتقسيم؟". اختيرت هذه الجملة الأخيرة ايضا، كما يبدو بسبب قطعها، كعنوان ثانوي للمقالة. أي أن أفنيري يرى في الجانب الفلسطيني عدم استعداد تام "للاعتراف بك، لانهم في 1948 هم وقادتهم اخطأوا خطأ تاريخيا فظيعا..". هاكم ثلاثة تذكارات بارزة، لا يمكن رفضها على أنها تافهة. أحدها مذكرات المسؤول الكبير من فتح، أبو إياد (صلاح خلف) من سنة 1978، التي نشرت في كتاب "فلسطيني بلا هوية". يروي أبو إياد انه في حديث الى المفتي الحاج أمين الحسيني، جرى في بداية 1974، وجه اليه سؤالا شديدا: "كانت خطة تقسيم الامم المتحدة من سنة 1947 غير مقبولة في الحقيقة من ناحية مبدئية، لكن لماذا لم يوافق القادة الفلسطينيون، كما فعل القادة الصهاينة، على حل مؤقت، أساسه تأسيس دولة في جزء من المنطقة الوطنية، التي منحتهم إياها الامم المتحدة؟"، ويذكر أبو إياد أن احتجاجات وتبريرات المفتي بدت له غير مقنعة. لا يمكن غض الطرف عن أهمية أبو إياد في تاريخ فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ 1968. ابتدأ بكلامه في واقع الأمر يمهد لتبني م.ت.ف الطريق السياسي من غير أن ينتظر استجابة من اسرائيل مقدمة، أو من الجماعة الدولية برئاسة الولايات المتحدة. دفع أبو إياد حياته عن تبني الطريق السياسي في كانون الثاني 1991 عندما اغتاله أحد أفراد منظمة أبو نضال. ومثال آخر يدحض جزم أفنيري، أن رفض خطة التقسيم لم يُثر للنقاش قط هو "اعلان م.ت.ف الاستقلال" في تشرين الثاني 1988. صاغت م.ت.ف في هذه الوثيقة استعدادها الى تبني مبدأ التقسيم في اطار دولتين لشعبين. بعد نحو شهر من ذلك استُكمل هذا الاجراء بقبول قرار مجلس الأمن 242، الذي رفضت م.ت.ف منذ تشرين الثاني 1967 قبوله. "اعلان الاستقلال" وثيقة تأسيسية في تاريخ م.ت.ف، تناقض لغتها ومنطقها على نحو ظاهر "الميثاق الفلسطيني". وهكذا بالضبط فهم المعارضون في الداخل (من المنظمة) والمعارضون من الخارج (مثل حماس) هذا الاجراء. يقوم كل منطق "اعلان الاستقلال" على قبول مبدأ التقسيم، في حين أن كل منطق "الميثاق الفلسطيني" (في المادة 19) يقوم على رفضه وعلى الحفاظ على سلامة فلسطين. تم التأكيد في "اعلان الاستقلال" انه على رغم الظلم الكامن في قرار التقسيم، الذي ينبع من أنه تجاهل حق الأكثرية العربية في فلسطين في تقرير المصير، فان هذا القرار من ناحية عملية "يعطي شروط الشرعية الدولية التي تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني". ذُكر في القرارات السياسية التي صحبت اتخاذ "اعلان الاستقلال" أن مبدأ التقسيم يجب أن يكون مُطبقا على حسب خطوط الرابع من حزيران 1967. فليس عجبا اذا أن تحدّت ذلك منظمات الرفض وحماس. تُقدم الكتب الدراسية الفلسطينية الجديدة من فترة اتفاقات اوسلو مثالا آخر على "تفكير من جديد" في خطة التقسيم: في سلسلة كتب دراسية من سنة 2000 أُبرز "اعلان الاستقلال" الفلسطيني من سنة 1988 على أنه الوثيقة "الرسمية" الوحيدة التي يُطلب الى الطلاب أن يدرسوها وأن يحفظوها عن ظهر قلب في دروس المواطنة. لا يُطلب الى الطلاب الفلسطينيين أن يدرسوا "الميثاق الفلسطيني" بل وثيقة التأسيس التي تقوم على عكسه. أي الأخذ بمبدأ التقسيم. هذه ثلاثة أمثلة رئيسة من أمثلة كثيرة. لكن الحقائق ليست دقيقة ايضا في مقالة أفنيري الثانية عن "المبادرة السعودية". لا يوجد في الاقتراح السعودي اشتراط مسبق بأن تُقبل المطالب العربية. فكلمة الشرط "اذا" غير موجودة ألبتة في الوثيقة. وتظهر بدلا منها كلمة "عندئذ". أي، في الوقت الذي تُقبل فيه المبادىء العربية التي تبحث في "المناطق"، ستتم الاستجابة لطلبات اسرائيل لـ "السلام" و"التطبيع" و"انهاء النزاع". تم التأكيد في مقدمة المبادرة أن هذا اجراء "موازٍ" (كما تقول الوثيقة). وبالاضافة الى ذلك يوجد تطرق الى "حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" على نحو "متفق عليه". يعني "متفق عليه"، أن يكون الطرفان اسرائيل والفلسطينيون موافقين عليه. كيف يمكن الاتفاق على شيء ما بغير اجراء تفاوض؟ اذا كان يوجد اشتراط فانه على الخصوص في أن يكون حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين "متفقا عليه"، وبهذا يبطل في الواقع أي امكان لأن يشتمل هذا الحل على تحقيق "حق العودة" الى داخل اسرائيل. إن ذِكر الحاجة الى "حل متفق عليه" يخلق تقليدا جديدا من التفسير العربي لقرار الامم المتحدة 194: القرار ما بين التعويضات والعودة، المذكور في القرار، يصادَر من اللاجىء كفرد ويُستعبد للاتفاق السياسي مع اسرائيل. وهكذا تكون قد انتهت قضية تحقيق العودة الى داخل اسرائيل. هكذا بالضبط بيّنت مصر، والاردن بل أبو مازن هذا التجديد. وهكذا فهمت حماس ايضا التغيير، ولذلك رفضته وحالت دونه الى حد تسميتها إياه "خيانة". بخلاف اقوال أفنيري، غياب الطلب التقليدي اخلاء جميع المستوطنات (وهو طلب يتكرر في خطط عربية سابقة كخطة الأمير فهد السعودي من سنة 1981 – "خطة النقاط الثماني") يخلق مجال مناورة سياسيا يمكن أن يشتمل على تبادل مناطق وتعديلات حدودية طفيفة. لست أزعم أنه يجب علينا في اسرائيل تبني "المبادرة العربية" وكأنها "شيء يجب تقديسه"، لكننا مأمورون بأن نراها كما هي، وهي كذلك تجسد تغيرا عاما للموقف الجماعي العربي. لا يمكن من جهة التنديد بالعرب لانهم رفضوا مبدأ التقسيم، وأن نبحث من جهة ثانية وأن نجد شيئا معيبا في استعدادهم لتبنيه. - هآرتس 29/5/2007 - اقرأ المزيد...
بقلم: الوف بن
تاريخ النشر: 2008/3/25
بقلم: تسفي بارئيل
تاريخ النشر: 2008/2/25
بقلم: شيلدون شريتر
تاريخ النشر: 2008/2/14
|