Head Menu
|
|
|
2020
. أيلول
27
، الأحد
Head Menu
Top Menu
| البحث | منشورات مفتاح | البرامج والمشاريع | الصفحة الرئيسية |
طبيعي أن تثير حرب إسرائيل الوحشية والمدمرة على غزة، مثل أي حرب، الكثير من الأسئلة، الصعبة والمعقدة والمركبة، فالحرب تأخذ الأعمار والعَمار، وتحدّد مصائر البشر، وتصادر خياراتهم، وتحولهم إلى مجرد أرقام أو قضايا.

لكن في هذه الحرب بدا ثمة من يريد أن يحرّم الأسئلة، في حين أن هذه الحرب، اللامتكافئة والمدمرة، تتطلب الكلام لا الصمت، وتفرض طرح التساؤلات وتقليل الشعارات، وإعمال التفكير والتدبير، لا إطلاق العنان للتهويل والتوكيل.

ففي هذه الحرب انقسم المثقفون العرب، بين هذا المحور وذاك، في ثنائية سطحيّة ومبتذلة ومزيّفة، لا تناسب الواقع المعقّد والمركّب للصراع ضد إسرائيل.

ليست المشكلة في تعاطف المثقف مع الفلسطينيين ومقاومتهم، ضد عدوانية إسرائيل وعنصريتها ولا إنسانيتها، فهذه مسألة طبيعية، لكن المشكلة في تحوّل المثقف عن شغلته، أي عن وظيفته في التفكير، وتخليه عن دوره النقدي، وتحيزاته العصبية التي تنفي الرأي الآخر، كما في انقياده لعواطف الشارع، بدل ترشيده له.

طبعا ثمة مثقفين لم ينجرفوا في هذه التصنيفات، وهذه "الفزعة"، مؤكدين دورهم في توليد حالة عقلانية في هذه الأوضاع الجنونية، التي يثير سعارها الجنون الإسرائيلي، المدعوم من السياسات التي أرسى دعائمها تيار "المحافظون الجدد" في الولايات المتحدة. وفي هذا المجال يحضرني، ما كتبه من فالح عبد الجبار وزياد عبد الله الدريس وثريا الشهري (راجع "الحياة" يوم 4 و14 و15/1/2009)، على سبيل المثال وليس الحصر، بسبب جرأتها وأفكارها والتساؤلات التي طرحتها؛ فثمة، كتابات كثيرة، في "الحياة" وغيرها، لعبت دورا تنويريا في هذه المحنة.

اللافت أن في إسرائيل شيء مختلف فثمة آراء متباينة من الحرب وأهدافها وحدودها، وأراء ضد الحكومة، وضد الشارع، وكل ذلك يجري في وقت الحرب، من دون أن يصنف احد الطرف الأخر، ومن دون أن يطالب طرف بحجب أو بامتهان أو اتهام رأي الطرف الأخر؛ ما يضفي حيوية ومسؤولية على السياسة الإسرائيلية.

أما عندنا، فعلى الرغم من النكسات والهزائم والإخفاقات، فإن مراكز صنع القرار (ودور المكتبات)، في البلدان العربية، مازالت تفتقد لأي نوع من الأبحاث والمراجعات الناجمة عن الحروب مع إسرائيل، لاستنتاج الدروس والعبر منها، لا في الحقل العسكري ولا في غيره؛ وهذا يشمل أيضا فصائل المقاومة اللادولتية، فليس ثمة أي توضيح لنوع الاستراتيجية أو النموذج الذي تتمثّله، وليس ثمة أي تحديد للمسؤولية عن أي تقصير اعتور أدائها، أو طريقة عملها.

في المقابل ثمة عشرات مراكز البحث والدراسات، ولجان تحقيق يشارك فيها مسؤولون وخبراء عسكريون وقانونيون، تمد صانع القرار الإسرائيلي، بالتوجيهات والنصائح ولائحة الاحتمالات والخيارات. هكذا، قرأنا عن تقرير لجنة "أغرانات" (بعد حرب 1973)، ولجنة "كاهانا" (1982)، وأخيرا لجنة "فينوغراد (2006)، وغيرها من اللجان الفرعية والمختلفة. واللافت أن كثيرون منا يستشهدون بهذه اللجان بدون أن يتساءلوا أين لجاننا وتحقيقاتنا ومراجعاتنا ودراساتنا؟!

ما أود أن أحاول مناقشته هنا يتعلق بالسؤال عن المقاومة، على سبيل المثال. فمما يلفت الانتباه أن طرح هذا الموضوع يثير الروح الاتهامية الانفعالية، بدلا من المساءلة والتفكير؛ ما يثير الاستغراب، لاسيما إذا صدر عن مثقفين يفترض أن شغلتهم البحث والتفكير والمساءلة والتدبير، لاسيما أن هؤلاء يدركون، مثل غيرهم، طبيعة بني المقاومة المسلحة في الساحة الفلسطينية، وعفويتها، وطريقة عملها المزاجية، وعدم ارتباطها باستراتيجية سياسية واضحة، وكلفتها العالية جدا، في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، في الظروف الفلسطينية الصعبة والمعقدة.

والمؤسف أن يغيب عن بال هؤلاء أن المقاومة الشعبية هي الأساس، في مقاومة الاحتلال، أي مقاومة المجتمع كله، لا مجموعة من المحترفين العسكريين؛ فهذا الشكل من المقاومة هو الشكل المستديم لرفض الاحتلال، ورفع كلفته، وتحييد عناصر قوته العسكرية (ما أمكن).

هنا ينبغي التذكير بأن أكبر بلد خضع للاستعمار هو الهند، وقد تحرر من الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية، بواسطة اللاعنف والعصيان المدني والمقاطعة (رفض دفع الضرائب والتعاملات التجارية). وأن نظام الفصل العنصري البغيض في جنوب أفريقيا، تم بواسطة النضال السياسي، بقيادة نيلسون مانديلا، وبثمن آلام الأفارقة السود وصبرهم ودأبهم، ووحدتهم المجتمعية، تماما مثلما انهار نظام التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية. كما ينبغي أن نذكّر بأن المقاومة المسلحة في فيتنام انتصرت بفضل دعم امبراطوريتين لها (الصين وروسيا).

والمعنى هنا ليس نفي دور المقاومة المسلحة، فطالما استمر الاحتلال، فثمة مشروعية لهذا الشكل من المقاومة، في فلسطين وغيرها، ولكن القصد التأكيد على عدم حصر المقاومة بشكل معين، كما على ضرورة ربط المقاومة المسلحة أو أي شكل، بالهدف السياسي الممكن، والمتاح، في كل ظرف، ومدى القدرة على الاستمرار بهذا الشكل، شرط تأمين التفاف الشعب من حول هذا الشكل، وتوفير استمرار مقومات حياة الشعب، وحمايته وتقليل خسائره، ما أمكن.

هكذا فإن النقاش هنا لا يتعلق بشرعية المقاومة المسلحة، كما يحاول البعض الإيحاء، عن قصد أو غيره، وإنما يتعلق بكيفية إدارة هذه المقاومة، وترشيد أهدافها ووسائلها، وعدم تصريف طاقاتها في مواجهات فوق احتمالها، وفي غير أوانها، في صراع يفترض أنه ممتد في الزمان والأشكال، ولا يحسم بالضربة القاضية، بسبب غلبة إسرائيل في موازين القوى، وبسبب الضمان الدولي لأمنها وتفوقها.

وإذا استعدنا التجربة التاريخية، مثلا، ففي الأعوام 1936 ـ1939، دخل الفلسطينيون، بكل طاقتهم ومرة واحدة، في مواجهات غير محسوبة، وسابقة لأوانها، مع قوات الانتداب البريطاني، ما نتج عنها حوالي سبعة آلاف شهيد وعشرين ألف جريح، (وخمسين ألف معتقل)، بمجموع قدره 77 ألفا من سكان لا يتجاوز عددهم المليون. وحينها قامت حكومة الانتداب بنزع الأسلحة التي بحوزة الفلسطينيين، وشددت القيود عليهم، ونفت وسجنت معظم قياداتهم. لذا عندما أزفّت لحظت الحقيقة (1947)، أي لحظة قيام العصابات الصهيونية المسلحة بالسيطرة على فلسطين، لم يكن لدى الفلسطينيين أية أسلحة تذكر، وكانوا يفتقدون للمؤسسات الموحدة، ومن دون قيادة، ما سهّل قيام إسرائيل، أدى إلى الفوضى، والتشرد.

وفي المواجهات التي دارت منذ أواخر العام 2000 ("الانتفاضة الثانية")، تخلى الفلسطينيون عن طريق الانتفاضة الشعبية، التي تغنوا بها سابقا، وتوجهوا نحو المقاومة المسلحة، لاسيما المقاومة وفق نمط العمليات التفجيرية والصاروخية في المدن الإسرائيلية؛ في خروج عن قواعد حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، أو حرب الضعيف ضد القوي، أو حرب المستعمر ضد المستعمر.

وبسبب تنافساتهم وطريقتهم في العمل، وتخلف إدارتهم، فقد زجّ الفلسطينيون بكل طاقاتهم في هذه المواجهات، دون تبصّر أو حساب، وقد استغلت إسرائيل ذلك فعملت على تحديد الدخول إلى القدس (2001)، ثم قامت بتدمير مؤسسات السلطة في الضفة وغزة (2001ـ2003)، وعاودت احتلال المدن ، وبنت الجدار الفاصل (2004)، ثم انسحبت بشكل أحادي من قطاع غزة(2005)، محولة إياه إلى سجن كبير. وكانت هذه المواجهات العنيفة أدت إلى استشهاد ستة آلاف من الفلسطينيين في ثمانية أعوام، في حين قتل 1060 إسرائيلي. والأنكى أن المقاومة لم تستطع الحفاظ على ديمومتها، إذ وصلنا إلى التهدئة (بموافقة حماس) في العام 2008، بعد أن كانت عمليات المقاومة تراجعت بدرجة كبيرة جدا، إذ شهد العام 2007 مصرع 11 إسرائيليا فقط، وعام 2006 مصرع 24 إسرائيليا، وعام 2005 حوالي 50 إسرائيليا؛ في حين إنها بوتيرتها العالية، كما قدمنا، أدت في العام 2002 إلى مصرع أكثر من أربعمئة إسرائيلي.

وكما هو معلوم فإن إسرائيل استخدمت في هذه المواجهات كل ما في حوزتها من وسائل القوة، المدفعية والطيران والدبابات والمشاة، لوأد مقاومة الفلسطينيين، وإخضاعهم. والخطير في الأمر أيضا، أن إسرائيل استغلت مناخات الحرب الدولية ضد الإرهاب، والعمليات التفجيرية والصاروخية التي تستهدف المدنيين في مدن إسرائيلية، لنزع شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال جملة وتفصيلا، وبكافة أشكالها، وأيضا للتشكيك بمقاصد الكفاح الفلسطيني وعدالة القضية الفلسطينية.

طبعا ثمة من يجادل بأن إسرائيل كانت ستقوم بما تقوم به، بوجود عمليات الصواريخ وغيرها، أم من دون ذلك، وهذا صحيح نسبيا، ولكن هذا الاستنتاج لا يحجب حقيقة أن مستوى عمليات القتل والتدمير والحصار الإسرائيلية تزداد وتتصاعد بحسب طبيعة ومستوى العمليات الفلسطينية.

وللتذكير، أيضا، ففي الانتفاضة الأولى، انتهج الفلسطينيون سبيل الانتفاضة الشعبية، والعصيان المدني (مع بعض العمليات العسكرية المتفرقة)، وحينه عرفت هذه الانتفاضة بانتفاضة الحجارة، ففي مواجهة ذلك لم تستطع إسرائيل إطلاق العنان لجيشها، وإنما اضطرت لابتداع الرصاص المطاطي، وراجمات الحجارة، وخراطيم المياه، من دون استبعاد الرصاص الحي، لكن من دون أن تستخدم المدفعية. ووقتها بات جنود جيشها بمثابة شرطة على الحواجز وفي الشوارع يلاحقون الأطفال ويفتشون النساء ويحرسون المستوطنين، إلى درجة أن البعض بات يعتبر أن الانتفاضة أفقرت الجيش الإسرائيلي، أي أفقدته أهليته القتالية. ونتيجة ذلك فقد استشهد في ستة أعوام حوالي 1600 فلسطيني (مقابل مقتل 383 إسرائيلي).

أما في الحرب الحالية استشهد في عشرين يوما حوالي 1100 من الفلسطينيين، في حرب استخدمت فيها إسرائيل قوتها التدميرية العاتية المنفلتة من عقالها، بدعوى الرد على صواريخ الفلسطينيين، التي هي على الأغلب لاتقتل ولا تدمر.

ويستنتج من ذلك أن الفلسطينيين يفترض أن يشتغلوا على الاقتصاد بتصريف طاقتهم النضالية لحين توفر موازين قوى ومعطيات دولية وإقليمية مواتية لهم، في تصعيد أشكال نضالهم ضد إسرائيل، بشكل محسوب ومدروس من دون تبديد قواهم في معارك في غير أوانها وفوق طاقتهم.

يستنتج من ذلك بأن معضلة الفلسطينيين أنهم في صراعهم ضد إسرائيل خسروا كثيرا، ليس فقط بسبب ضعفهم أو بسبب رجحان ميزان القوى لصالح إسرائيل، وليس بسبب عدم ملاءمة الأوضاع الدولية والإقليمية لتطلعاتهم ومتطلباتهم المشروعة، فحسب، وإنما بسبب فوضاهم وتخلف إدارتهم لأوضاعهم، وانقساماتهم، وغياب استراتيجية واضحة لهم، تتأسس على الواقعية والعقلانية.

عن شبكة أمين الاخبارية

ارسل المقال طباعة المفال
Main Menu
Dot
مفتاح - القائمة الرئيسية
Dot
النشرة نصف السنوية - العدد السابع
العدد السابع
Dot
الدستور- نشرة تعريفيّة
الدستور- نشرة تعريفيّة
Dot
القرار 1325
القرار 1325
Dot
Dot
Dot
Dot
حقوق الطبع © 2013 مفتاح
كافة الحقوق محفوظة