Head Menu
|
|
|
2018
. تشرين الثاني
19
، الإثنين
Top Menu
| البحث | خرائط | البوم الصور | منشورات مفتاح | البرامج والمشاريع | الصفحة الرئيسية |

  • ازدياد وتيرة العنف في بلادنا هي نتاج انفلات اجتماعي ونتاج أزمة أخلاقية
  • الفقر والبطالة والفاقة عوامل تولد العنف المجتمعي وتؤدي إلى تراجع منظومة الأخلاق واحترام الحقوق
  • الانقسام كان النقطة الفاصلة في التاريخ الفلسطيني وعلى جميع الأصعدة الموضوعية والاجتماعية
  • آلاف القضايا انتهت إلى رفوف المحاكم في الوقت الذي ليس لدينا أكثر من 300 قاض وقاضية
  • نعاني من غياب خطط وقائية لمواجهة العنف والجريمة في ظل ضعف منظومة سيادة القانون
  • القوانين المعمول بها في فلسطين تتعامل مع المرأة على أنها مواطنة من الدرجة الثانية
  • مؤسسات المجتمع المدني تقوم بدور كبير نيابة عن المجلس التشريعي بسبب تعطل العملية الديمقراطية منذ أكثر من 10 سنوات
  • نحن بحاجة إلى إعلام حر يأخذ على عاتقه حمل القضايا المجتمعية والدفاع عنها

ملاحظة هامة جدا: ما ورد في نص الحوار يعبر عن الموقف والرأي الشخصي والمهني للدكتور عمر رحال، وليس بالضرورة أن يعبر عن رأي "مفتاح"

مقدمة

حذّر د. عمر رحّال مدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس"، من تفاقم ظاهرة العنف وارتفاع معدلات الجريمة بما في ذلك جرائم القتل وتداعياتها على المجتمع الفلسطيني ونسيجه الاجتماعي، مشيرا إلى أن عمليات القتل الأخيرة في بلادنا هي نتاج انفلات اجتماعي، ونتاج تراجع في الأخلاق، وسط غياب لأي دور للمجلس التشريعي الفلسطيني، في وقت تواصل مؤسسات المجتمع المدني جهودها لتصدي لهذه الظاهرة، والتخفيف من حدّتها وغلوائها، تجنبا للذهاب إلى مربع فوضى جديد لا تحمد عقباه.

جاء ذلك في الحوار التالي ضمن زاوية "في ضيافة مفتاح"، تطرق فيه د. رحال إلى جملة من القضايا ذات الصلة بهذه الظاهرة، وفيما يلي نص الحوار:

*** ما هي التفسيرات الحقيقية لتفشي ظاهرة القتل في المجتمع المحلي بما في ذلك داخل الخط الأخضر؟ وما الأسباب التي تقف من ورائها؟

** أعتقد أن هناك أسباباً كثيرة تقف وراء تفشي هذه الظاهرة، لعل من أهمها عدم وجود قانون رادع، وإذا وجد القانون فلا توجد عقوبة. وإذا وجدت العقوبة خففت، وإذا خففت تم حل الموضوع على فنجان قهوة. وبالتالي إذا أردت أن تأخذ موضوع سيادة القانون بعين الاعتبار لا يوجد هناك سيادة للقانون. فالقضاء مترهل، وهناك تباطؤ في إجراءات التقاضي. كما لا توجد سجون أو إصلاحيات في جميع محافظات الضفة. في حين أن قانون العقوبات المطبّق في الضفة الغربية وعلى وجه التحديد القانون الأردني رقم 6 لعام 1960 لا يشتمل على ما يسمى ب"العطوة" أو ما شابه ذلك، ولكن المؤسسة الأمنية ومن ضمنها الشرطة والمحافظة تلجأ دائما إلى رجال العشائر من أجل الوصول إلى حل، وبالتالي يكون الحل عشائريا على حساب القانون النظامي. هذا على الجانب الرسمي والقانوني إذا جاز التعبير، ولكن على الصعيد الاجتماعي، هناك انفلات أخلاقي، وهناك أزمة أخلاقية، وبالتالي عمليات القتل والعنف والمشاكل في بلادنا هي نتاج هذا الانفلات، ونتاج التهتك الذي أصاب المنظومة القيمية الفلسطينية.

حتى اللحظة لدينا منذ مطلع العام الجاري 26 جريمة قتل. لم نكن نسمع في السابق بهذه الجرائم على مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى في الداخل الفلسطيني، وذلك لمسألتين، الأولى: أنه في الأعوام ما بين 67 – 1994 لم يكن هناك قانونا ناظما في الأراضي الفلسطينية، بل كان هناك قانون الاحتلال وسلطته، وكانت هناك أيضا محاكم للاحتلال، ولكن المواطن الفلسطيني لم يكن يذهب إلى هذه المحاكم. أما المسألة الثانية، فهي أن العشيرة والعائلة وكذلك الحركة الوطنية كانت صمام الأمان، وبالتالي كانت المنظومة القيمية الأخلاقية هي التي تحكم وليس القانون.

** هل لديكم معطيات موثّقة عن جرائم القتل هذه، ودوافعها خاصة ما تعلق منها بالنساء، وتوزيعها الجغرافي؟

*** الأرقام بهذا الشأن مرعبة. ففي العام 2015 كان لدينا 56 عملية قتل. وكان هناك 30 ألف و99 إشكالية وقضية وصلت إلى الشرطة، وأنا أقول بأن هناك أضعافا مضاعفة من هذه القضايا لم تصل إلى الشرطة وتم حلها اجتماعيا. وبالتالي، فإن القانون وما يعنيه من قضاء مستقل ومن إجراءات تقاض وسرعة من نزاهة وشفافية وعدد قضاة كان يفترض أن لا يكون هناك انفلات اجتماعي، لكن في ظل غياب هذه الأركان وهذه الأسس والضوابط والضمانات، فإن الإشكاليات في تزايد طبعا. ولا أخفي عليك، بأن العامل الاقتصادي في بلادنا المتمثل بالفقر والبطالة والفاقة عوامل تولد العنف وتولد مظاهر قاتلة. فعندما تتحدث عن قطاع غزة - على سيل المثال لا للحصر – هناك حوالي مليونين ومائة ألف مواطن في رقعة مساحتها أقل من 365 كم، لأنهم يعيشون في أقل من 40% من المساحة الإجمالية للقطاع، أي أن هناك نحو 5700 شخص يقيمون في الكيلو متر المربع الواحد من مساحة أل 40%. في حين أن هناك أعلى نسبة بطالة، وأعلى كثافة سكانية توجد في قطاع غزة. والحال كذلك في الضفة الغربية، حيث نسبة الفقر والبطالة مرتفعة.

في السابق لم نكن نسمع عن شيء أسمه حشيش أو مخدرات. الكارثة التي نعيشها اليوم أن الحشيش لا يتم تعاطيه فقط، بل بات يزرع في بلادنا، وهذا تطور مخيف وغير مسبوق، بل ومرعب. قد يقول قائل بأنه ليس لدينا جريمة منظمة. على العكس هذه جرائم. لذلك ما يجري في الأراضي الفلسطينية يؤشر وينذر بأشياء خطيرة قد تكون ارتداداتها وانعكاساتها على المجتمع الفلسطيني وعلى التماسك الاجتماعي ما يهدد السلم الأهلي في بلادنا، ويؤدي إلى مزيد من المشكلات، وإن لم ننتبه كمؤسسات مجتمع مدني وسلطة وطنية وأحزاب سياسية ووسائل إعلام، فسنذهب قطعا إلى مربع فوضى جديد.. مربع لا تحمد عقباه".

** كيف أثر الانقسام الداخلي على ارتفاع معدلات الجريمة؟ وما التداعيات الناجمة عن استمراره؟

الانقسام له تداعياته السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية والاجتماعية. فعلى الصعيد الاجتماعي، أدى انتشار الأسلحة وأخذ القانون في اليد، وعدم اعتراف أي من الطرفين بقوانين ومحاكم الطرف الآخر وحصار قطاع غزة إلى فاقة وفقر وبطالة. أما في الضفة الغربية فهناك موضوعات أخرى ذات علاقة بموضوع التسامح وقبول الآخر وبالحوار، وكل هذا انتفى في الشارع الفلسطيني وحل مكانه قيم لها علاقة بالإقصاء والقتل، وبمفاهيم لم تكن معروفة في السابق، وحتى في وسائل الإعلام استخدمنا نحن والسياسيين الفلسطينيين العديد من المصطلحات والمفاهيم التي لم تستخدم في السابق، وهي غريبة، من قبيل: التكفير والتخوين، ومن قبيل كلمات تصل إلى حد البذاءة.

في ظنّي، أن الانقسام كان النقطة الفاصلة في التاريخ الفلسطيني وعلى جميع الأصعدة الموضوعية والاجتماعية. وخذ على سبيل المثال ما تصدره المحاكم في قطاع غزة من أحكام على بعض الأشخاص وتدعي أنهم فارون من العدالة، أو أنهم يتعاملون مع "جهات أجنبية" ويقصدون بذلك رام الله. وانظر إلى الضفة الغربية عندما يكون هناك منع أمني لبعض الأشخاص من ممارسة بعض المهن، وإقصائهم من مهنهم، وبالتالي هذا ضرب للدستور والقانون الأساسي الفلسطيني الذي يؤكد على أن من حق المواطن تقلد الوظيفة العامة، وقد أدى كل ذلك إلى مزيد من الأحقاد والإشكالات والضغائن والنظرة السلبية لهذا الطرف أو ذاك، وبالتالي نحن اليوم أصبحنا غير متسامحين وبتنا نكره بعضنا بعضا. فعندما يكون هناك إشكالية معينة، أو حادث معين - كما حصل مع أفراد قوات الأمن الفلسطيني - عندما كان هناك حادث ذاتي واستشهد عنصران في جنين كانت التعليقات مخيفة وسيئة وسلبية وبمنطق التشفي، وأن هؤلاء أعداء، وهذا انعكس على أسرنا وعلى علاقاتنا الاجتماعية، وأدى إلى تفشي مزيد من العنف وعدم التردد في استخدامه. ليس العنف بتعريفه الضيق بل العنف بجميع أشكاله، وإذا ما تتبعت التعليقات على سائل التواصل الاجتماعي، فإنك تلحظ نسبة ومستوى ومنسوب العنف اللفظي المستخدم من خلال الكلمات البذيئة والغريبة والجارحة التي لا تعبر عن قيم شعبنا.

** في ظل غياب السلطة الرادعة للقانون، وهيمنة العشائر على التدخل في حل النزاعات بين الناس. هل بات فعلا القضاء العشائري هو الفيصل في معالجة هذه القضايا والحد من الجرائم المرتكبة؟

*** أي دولة أو أي مجتمع بحاجة لقانون. وعندما يكون لديك قوانين تقدمية وإنسانية، وقانون عقوبات يأخذ بعين الاعتبار التطورات المتسارعة، باعتباره حاجة مجتمعية يتطور بالتطور الاجتماعي. وعندما لا يكون هناك سيادة للقانون يكون هناك قصور في الأداء. وعندما لا تسيطر إلا على حوالي 15% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية في الوقت الذي لدينا 62% من المساحة الضفة هي مناطق ج، فإن المؤسسة الأمنية الفلسطينية لا تستطيع الوصول أو تغطية كل هذه المساحات، علما بأن تعداد الشرطة الفلسطينية يقل عن الثمانية آلاف شرطي ينتشرون في إحدى عشرة محافظة. وبالتالي ليس لدينا العدة والعتاد الكافي، وليس لدينا التأهيل والتدريب الكافي، كما ليس لدينا المختبرات اللازمة لعمل الشرطة، في مقابل عدم وجود انتشار جغرافي على مستوى الضفة الغربية، ما يعني أن عشرات الالاف من القضايا انتهت إلى رفوف المحاكم في الوقت الذي ليس لدينا أكثر من 300 قاض وقاضية.

لقد سجلت زيادة كبيرة في أعداد القضايا التي وصلت إلى الشرطة في العامين المنصرمين 2016- 2017، حيث وصلت هذه الزيادة إلى 2800 قضية، بينما وصل إجمالي عدد القضايا في العام 2017 إلى 30,099 قضية.

هذه الإحصائيات ليست من عندي، بل هي إحصاءات الشرطة الفلسطينية التي تصدرها كل عام بتقرير سنوي.

إذن، مرة أخرى سؤالنا إلى صانع القرار فيما يخصّ بالسياسات، ما هي المدخلات التي تقوم بها الحكومة والمعّبر عنها بمخرجات حول هذه النسبة العالية من الجريمة وعدم توفر الأمن، علما بأن الإحصائيات التي يتم الحديث عنها سواء من قبل الشرطة أو من بعض مؤسسات المجتمع المدني التي لها علاقة بالسلم الأهلي لا تؤخذ بعين الاعتبار من قبل صانع القرار باعتبار هذه الجرائم ظواهر دخيلة على المجتمع الفلسطيني، ويجب أن يأخذ بعين الاعتبار لتضع خططا وقائية لمواجهة الجريمة، في حين أن الحديث يدور عن الجريمة الاقتصادية، بينما يتدخل الأمن أكثر في القضايا السياسية، بينما عندما تتحدث عن جرائم العنف والقتل لا نجد بأن هناك خطة لمواجهتها، ولا نجد أن هناك استراتيجية مستمرة للحكومة أو للمؤسسة الأمنية، وأقصد بذلك الشرطة لمواجهتها.

** ما تقييمك للعلاقة بين سلطة القانون والقضاء العشائري؟

*** لا يوجد علاقة إيجابية بين الطرفين، على الرغم من أنه في بعض الأحيان يأخذ القضاء النظامي في بعض الأحيان بعين الاعتبار صكوك الصلح التي يجريها بعض رجال الإصلاح العشائري.

نحن مع الصلح العشائري وليس مع القضاء العشائري. ففي كثير من بلدان العالم يأخذ هذا الموضوع أشكالا أخرى. فمثلا هناك المحكمون أو التحكيم الذي يأخذ الصفة القانونية وصفة الإجبار القانونية، وكثير من القضايا التي تحل من خلال التحكيم تنتهي بأصوله إلى المحكمة. في بلادنا لا يوجد علاقة سوية، ولا يوجد هناك بحث من أجل ردم الفجوة بحيث يقوم القضاء العشائري بمساعدة القضائي النظامي، لأن هذا القضاء ليس لديه القدرة من حيث الإمكانيات والعدة والعتاد واللوجستيات للبت في عشرات آلاف القضايا، في الوقت الذي لا يوجد هناك بحث لجدية العلاقة وسويتها أو البحث عن آليات التعاون والتنسيق بين القضاء النظامي والقضاء العشائري، حيث ينظر كلا الطرفين إلى بعضهما البعض نظرة ريبة وشك، ونظرة "عدم احترام" . أنا أستمع إلى بعض القضاة في النظام القضائي حيال موقفهم من القضاء العشائري، وكذلك أستمع إلى رجال الإصلاح فأجد أن لكل طرف منهما موقفا مسبقا من الآخر ولديه نظرة "عدائية" اتجاهه.

علينا كفلسطينيين أن نبحث آفاق التعاون، وأن نردم الفجوة وأن يكون هناك تعاونا بين الطرفين، لأنه يوجد كثير من القضايا الاجتماعية لحساسيتها قد لا تصل إلى القضاء، وبالتالي يمكن أن نذهب إلى صلح اجتماعي، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى التخفيف على القضاء النظامي فيما يخص استكمال القضايا والتباطؤ في الإجراءات، وغيرها من القضايا، لأن القضاء النظامي الفلسطيني عليه أن يأخذ بعين الاعتبار ما أورد استطلاع قام به الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني قبل أشهر تبين من خلاله أن هناك 36% من الفلسطينيين المستطلعين فقط يثقون بالقضاء النظامي، وهذا مؤشر خطير يجب أن يؤخذ على محمل الجد.

المواطن الفلسطيني العادي ليس لديه ثقة كبيرة في القضاء الفلسطيني، وذلك نتاج تباطؤ إجراءات التقاضي، والتي تنعكس على سمعة القضاء الفلسطيني بما يؤدي إلى ثقة أكبر وأكثر بالقضاء العشائري، والذي يسحب البساط بشكل أو بآخر من تحت أرجل جهاز القضاء الفلسطيني.

** كيف يتم التعامل مع القتل على ما يسمى ب"خلفية الشرف" في القانون؟ وهل تعتقد أنها كافية ومتساوية كأي عملية قتل في العقوبات القانونية؟

*** القوانين المطبقة في بلادنا، وأقصد بذلك قانون العقوبات الأردنية رقم 16 لعام 1961، يتعامل مع المرأة بمنطق "دونيّ"، بحيث يمكن للجاني أن يتزوج ضحيته، كما يمكن للجاني في الجرائم التي تتم على ما يسمى ب "جرائم الشرف" الحصول على عقوبة مخففة. صحيح أن الرئيس قد ألغى هذه المادة، ولكن على أرض الواقع ما زالت الأمور تسير على ما هي عليه، ولدينا عشرات الأمثلة كان آخرها الشهر الماضي عندما أقدم بعض الأقارب على قتل شقيقتهم وزوجها في يعبد بمحافظة جنين عندما كان هناك صلح بين العائلتين، وانتهى الأمر بالقتل رغم أن الصلح كان تحت راية المخابرات الفلسطينية.

القوانين الفلسطينية هي قوانين تمييزية، بما يخص حساسيتها للنوع الاجتماعي، وهذه القوانين أو المعمول بها فلسطينيا هي قوانين إلى جانب أنها تمييزية، فهي أيضا قوانين قاصرة لا تحترم المرأة وتتعامل معها على أنها مواطنة من الدرجة الثانية، ولا يوجد هناك مساواة. أما اجتماعيا فإن قتل المرأة هو أمر هيّن، وللأسف الشديد في بعض المحافظات تعتمد بيت أجر ليوم أو يومين للمرأة التي تقتل، وليس ثلاثة أيام كما الرجل، وعليه فالنظرة للمرأة هنا دونية.

نحن بحاجة إلى تعديل، أو إلى قانون عقوبات فلسطيني المنشأ، وقد قامت وزارة العدل، بالإضافة إلى المؤسسات النسوية ومؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات حقوقية وأكاديمية بإنجاز مقترح هذا القانون، وهو قانون تقدمي وإنساني يحترم كرامة المرأة، ولكن للأسف، فالرئيس لا يعتبر ذلك أولوية، ولا يعتبره حالة ضرورة، وبالتالي قوانينا المعمول بها اليوم هي قوانين لا تحترم المرأة وتحط من كرامتها، و"تشجع" على قتل المرأة لأنه في نهاية المطاف والدها أو شقيقها أو زوجها... وقد يكون الحل بأقل من فنجان قهوة كما حصل مع عشرات القضايا التي كانت المرأة محورها.

** هل تعتقد بأن جرائم القتل التي حدثت مؤخرا في فلسطين ممكن اعتبارها حالة من الانفلات الأمني؟

*** لا أستطيع القول بأن هناك انفلاتا أمنيا في الشارع الفلسطيني، بل هناك بعض البؤر التي يوجد بها انفلات وانتشار للأسلحة، ولكن هذا الانتشار على الرغم من خطورته، لا يمكن وصفه بأنه تعبير عن انفلات أمني. هناك انفلات اجتماعي إن جاز التعبير من خلال وجود هذه الأسلحة المتطورة والحديثة وبأيدي مجموعة من الناس توصف بأن لديها انفلاتا أخلاقيا وقيميا ولا تأبه هذه المجموعات أو الأشخاص من استخدام ما لديها من سلاح في كل المناسبات أو التهديد باستخدامه، ولكن المؤسسة الأمنية مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بضرورة ضبط هذه الأسلحة وإحضار حامليها وتقديمهم لمحاكمة عادلة، لأن التراخي - إن جاز التعبير – يمكن أن يؤدي إلى فوضى، ويمكن أن يشكل هؤلاء ما يشبه الميليشيا، ومؤخرا قامت هذه المجموعات بالسطو على سيارة أحد المواطنين وسلبه عشرات الآلاف من الشواقل والدنانير والدولارات.

** ضمن السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ما هي آليات إنفاذ القانون؟ وهل جهود المجتمع المدني حول المواطنة وتعزيز سيادة القانون ذهبت هباءً؟

*** المجتمع المدني يُحمّل في بعض الأحيان ما لا طاقة له عليه. فهو يحاول في هذا الاتجاه، خذ على سبيل المثال مؤسسة "مفتاح" التي تعمل بجدية على هذه الموضوعات، خاصة فيما يتعلق بموضوع المرأة. وكذلك غيرها من المؤسسات التي تعمل وتعقد ورش عمل وندوات ومؤتمرات وحلقات تلفزيونية وإذاعية، وتلتقي صنّاع القرار، وتصدر الأبحاث والدراسات وتسلط الضوء على ما يجري على الأرض في القضايا الاجتماعية، وقضايا العنف.

أعتقد أن مؤسسات المجتمع المدني تقوم بدور كبير نيابة عن المجلس التشريعي حيث لا يوجد انتخابات، وحيث يوجد انسداد في الأفق. وبصراحة، فإن مؤسسات المجتمع المدني مشتتة التوجهات بسبب الحالة الفلسطينية الفريدة، ليس لأنه لا يوجد لديها برامج أو خططا استراتيجية، ولكن من كثرة الإشكاليات والمشكلات والظواهر والأولويات ترى بأنها تحمل عشر بطيخات بيد واحدة. لكن من الأهمية بمكان أن يستمع صانع القرار وأن يتعاطى مع ما تنتجه مؤسسات المجتمع المدني، لأن هذه النتائج وهذه التوصيات والدراسات من شأنها أن تخفف عن كاهل الحكومة. فالمعلومات التي تأتي للحكومة على طبق من ذهب من أجل أن تستفيد في وضع السياسات والبرامج والخطط والإجراءات اللاحقة كي تحمي النسيج الاجتماعي من التهتك، علما بأن المجتمع المدني ليس لديه شرطة، ولا يملك الإمكانيات الأدبية التي تمكنه من القيام بدور أكبر.

مرة أخرى، المطلوب أن تأخذ الحكومة والمراكز المؤثرة أي المؤسسة الأمنية لما يوصي به المجتمع المدني فيما يخصّ موضوع الجرائم والعنف في المجتمع الفلسطيني، والمطلوب منا كمؤسسات مجتمع مدني مزيد من تضافر الجهود، والتنسيق والتشبيك والعمل المشترك، ومزيد من الوضوح في العلاقة فيما بيننا، لأن عدم التنسيق والتشبيك والعمل المشترك يؤدي إلى مزيد من الفوضى في الميدان وهدر الوقت والجهد، فكلما كنا مؤتلفين وموحدين، وكلما كنا نعمل ضمن فريق واحد، فإن هذا يؤدي إلى نتائج أفضل وإلى تأثير أكبر وإلى إنجازات أكبر بكثير في الميدان.

** عقب الاستقالات التي حدثت في محكمة العدل العليا مؤخرا، كيف تنظر إلى هذه الاستقالات؟ وماذا عن قرار تشكيل المحكمة الدستورية ؟ وهل لها انعكاسات على حالة الأمن في فلسطين؟

*** نحن نحترم السادة القضاة أعضاء المحكمة الدستورية الفلسطينية، ونتمنى كفلسطينيين أن يكون النظام السياسي الفلسطيني مكتملا، ولكن تشكيل المحكمة لم يكن سليما من حيث التوقيت. فهناك حالة انقسام فلسطيني فلسطيني، كما أنها شُكّلت من لون سياسي واحد، عدا عن أنها استثنت المرأة، واستثنت كفاءات فلسطينية معروفة ومعلومة وذات خبرة واختصاص في هذا المجال، وبالتالي هناك وضوح، وهناك تحفظ من قبل البعض، بينما لم يستشر المجتمع ولا غيره من الأحزاب السياسية في أمر تشكيلها عندما تقرر تشكيلها. وبعبارة أخرى، فإن توقيت تشكيلها لم يكن سليما، وما قامت به المحكمة الدستورية من تفسيرات لبعض القضايا التي تم طرحها من قبل السلطة الفلسطينية أثارت مزيدا من الجدل في الشارع الفلسطيني لدرجة أن المرأة طالبت بحل هذه المحكمة وتشكيلها من جديد. فالمحكمة الدستورية في كل دول العالم لها أهميتها وضرورتها وهي تعبير عن قضاء نزيه وراسخ وشفاف وموضوعي، وفي بلادنا أدى الأمر إلى مزيد من الجدل والفعل ورد الفعل.

أما فيما يخص تقديم الاستقالة الجماعية للمحكمة العليا، فقد كان يجب أن لا يكون هذا من قبل أعضاء المحكمة. فهناك لجنة شكّلها الرئيس لإصلاح القضاء خرجت بمجموعة من النتائج والتوصيات لإصلاح القضاء، والسادة القضاة أنفسهم يقولون أن القضاء الفلسطيني بحاجة إلى إصلاح وإعادة هيكلة، بينما المواطن البسيط يعلم تماما وله ملاحظات على هذا القضاء، وبالتالي ليس من العيب والعار أن يكون هنا إعادة نظر في القضاء، وعلينا أن نتعلم من تجربتنا، وأن لا نبقى محافظين، لأن لسان حال الشارع الفلسطيني يقول، بأن من تقدم بالاستقالة إنما هو يحتج على تعرض امتيازاته للخطر.

نحن نثق بالجهاز القضائي الفلسطيني، ونأمل بأن يكون هناك مزيد من الإصلاح وضخ دماء شابة ، ومزيد من المحاسبة والمساءلة، لأن القاضي مؤتمن، والمقصّر يجب أن يعاقب، ومن يقدم خدمة أفضل يجب أن يثاب، وبالتالي ليس هناك انقضاضا على القضاء الفلسطيني أو تدخلا فيه، بقدر ما أن المؤسسات والمجتمع والأكاديميين والمهتمين يريدون قضاء فلسطينيا نزيها محايدا يكون رافعة لحقوق الإنسان، ومحترما لكرامته الإنسانية.

** كيف ترى دور وسائل الاعلام المحلية الرسمية والتقليدية وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز السلم الأهلي ومواجهة ظاهرة العنف والقتل؟

*** الاعلام الفلسطيني ينقسم إلى أربعة أقسام. فهناك الاعلام الرسمي، والاعلام الحزبي، وهناك أيضا الإعلام التجاري، والإعلام الأهلي، والسياسة التحريرية والخلفية الأيديولوجية والفكرية تلعب دورا رئيسيا في توجهات هذا الإعلام بأنواعه المختلفة. ففي بعض الأحيان يكون الإعلام الفلسطيني مكانا للتجاذبات الكلامية والتراشق بأنواعه. بينما بعض وسائل الإعلام تتمايز عن وسائل أخرى وتقوم بالرقابة وإعداد التقارير الاستقصائية، واستضافة أشخاص مختلفين ليسوا من لون سياسي معين، وبالتالي تقوم بما هو مطلوب منها. ولكن، فإن وجود خمس صحف فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وأكثر من 12 فضائية فلسطينية ما بين رسمية وحزبية وتجارية وأهلية، وعشرات المواقع الإلكترونية والإذاعات المحلية والإعلام الرسمي أمر على غاية الأهمية، بينما لا نرى أن الإعلام يقوم بما هو مطلوب منه على أكمل وجه، ولا يمثل ما بات يصطلح عليه السلطة الرابعة. ففي كثير من بلدان العالم، نجد أن الإعلام أقال رؤساء وحكومات واُثّر وغيّر، وكان له الدور الإيجابي في احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية وتعزيز الديمقراطية في المجتمعات، ولكن في بلادنا لعب الإعلام دورا في خلخلة السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي، وهناك العديد من المصطلحات التي برزت في الإعلام الرسمي والحزبي وغيره، مثل التخوين والتكفير والعنصرية، وترسخت مثل هذه المصطلحات في الشارع الفلسطيني. أضف إلى ذلك، فإن رأس المال الفلسطيني والشركات الاحتكارية لعبت دورا سلبيا. وهذا يدلل على أن الاحتكار من جهة، ورأس المال من جهة أخرى يسيطران على مقاليد الأمور، وبالتالي لا يوجد لدينا إعلام يأخذ على عاتقه حمل القضايا المجتمعية والدفاع عنها. زد على ذلك الرقابة الذاتية عند بعض الصحفيين الفلسطينيين، وبالتالي في بعض الأحيان، إما أن تكون في أقصى اليمين أو أن تكون في أقصى اليسار. صحيح أنه لا يوجد إعلام محايد لأنه لا يوجد وسيلة إعلام في العالم محايدة، ولا يوجد لها أجندة، ولكن على الرغم من ذلك لا يوجد لدينا أجندة وطنية ولا أجندة شخصية، ولكن لا يوجد لدينا الإعلام الذي يمكن أن يؤثر أو يغيّر ويكون ساحة ومساحة ومنبرا للناس من أجل أن يؤثر بشكل أكبر وأكثر على مجريات الأمور. ما هو موجود لا يعدو كونه مساحات على أساس الولاءات الشخصية.

ملاحظة: ما ورد في نص المقابلة يعبر عن وجهة النظر الشخصية لصاحبها، وليس من الضرورة أن يعبر عن وجهة نظر "مفتاح"

المزيد ...

بقلم: مفتاح
التاريخ: 09/10/2018
بقلم: مفتاح
التاريخ: 05/09/2018
بقلم: مفتاح
التاريخ: 12/07/2018

لنفس الكاتب

التاريخ: 14/11/2018
التاريخ: 13/11/2018
التاريخ: 08/11/2018
التاريخ: 07/11/2018
التاريخ: 01/11/2018

ارسل المقال طباعة المفال
Main Menu
تبرع الآن
Dot
مفتاح - القائمة الرئيسية
Dot
النشرة نصف السنوية - العدد الثالث
العدد الثالث
Dot
القرار 1325
القرار 1325
Dot
Dot
رؤية فلسطينية نسوية تستند إلى المراجعة الدولية لتنفيذ القرار الأممي 1325
(الاستراتيجيات العشر للعمل على قضايا المرأة والسلم والأمن)
Dot
Dot
حقوق الطبع © 2013 مفتاح
كافة الحقوق محفوظة