Head Menu
|
|
|
2019
. آب
18
، الأحد
Top Menu
| البحث | خرائط | البوم الصور | منشورات مفتاح | البرامج والمشاريع | الصفحة الرئيسية |

  • احتجاز أموال المقاصة تجسيد لرؤبة نتنياهو القائمة على توظيف الاقتصاد في الابتزاز السياسي ليرغم الفلسطينيين على تقديم تنازلات
  • فئات كثيرة ستتضرر نتيجة احتجاز الاحتلال أموال المقاصة خاصة أسر الموظفين والعائلات التي تتلقى إعانات من الحكومة
  • إسرائيل تملك أدوات قادرة على خنق الفلسطينيين تماما
  • قرار الرئيس بعدم استلام أموال المقاصة أربك الحكومة التي واجهت أزمات في مواعيد متباعدة، لكنها لم تُدرها بالشكل الصحيح
  • المطلوب القيام بخطوات حقيقية وعملية لتحسين الجباية من الفئات التي تتهرب من دفع الضرائب
  • علينا أن نعيد الاهتمام إلى الزراعة والصناعة والسياحة الداخلية
  • مشكلة إسرائيل هي في الأمن. والقاعدة التي تعمل بموجبها هي قاعدة "الأمن مقابل الاقتصاد"،
  • "الكيّ آخر العلاج"، إذا أردت سلطة لا تعتمد على البنوك إطلاقاً، يجب أن يكون الاقتراض آخر الخيارات

مقدمة

وصف د. نصر عبد الكريم، أستاذ العلوم المالية والاقتصادية في كلية الدراسات العليا في الجامعة العربية الأميركية في ضاحية الريحان برام الله، قرار حكومة الاحتلال احتجاز أموال المقاصة بأنه تجسيد لرؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القاضية بتوظيف الاقتصاد في الابتزاز السياسي ليرغم الفلسطينيون على تقديم تنازلات، محذراً من الآثار المترتبة على الأزمة المالية التي بدأت السلطة الفلسطينية تعاني منها وتأثير ذلك على مختلف فئات المجتمع الفلسطيني، خاصة أسر الموظفين والعائلات الأكثر هشاشة وضعفاً، أي العائلات التي تتلقى إعانات شهرية من قبل الحكومة.

وفي حوار معه ضمن زاوية "في ضيافة مفتاح"، قال عبدالكريم إن الحكومات الفلسطينية المتعاقبة لم تملك استراتيجية لمواجهة الأزمات الاقتصادية التي مرت بها في السابق، ولم تدر تلك الأزمات بالشكل الصحيح.

وفيما يلي نص الحوار:

** ما التداعيات والآثار الاقتصادية المتوقعة على المواطن الفلسطيني جرّاء اقتطاع الاحتلال لأموال المقاصة؟ وما القطاعات الخدماتية الأكثر تأثراً من سياسة التقشف التي أعلنت عنها الحكومة؟ وكيف ترى انعكاس الأزمة على القطاع الخاص؟

*** لا شك، بأن هناك آثاراً مباشرة تصيب أسر الموظفين الذين باتوا يتقاضون نصف راتب، وربما يستمر هذا الوضع لشهور قادمة أخرى، ما سيؤدي إلى تراجع قدرة هذه الأسر على الاستهلاك وعلى تلبية احتياجاتها الأساسية وحتى الوفاء بالتزاماتها اتجاه الغير. وبالتالي سينتقل هذا التأثير مباشرة إلى الاقتصاد الكلي طالما أننا نتحدث عن حركة تجارية تتباطأ تدريجياً، وعن دورات اقتصادية أخرى متصلة بالحركة التجارية ستتباطأ هي الأخرى، حتى يصبح هناك حذراً عند المقتدرين، وسلوكاً حذراً اتجاه الاستثمار، ما سيعقّد المشهد، ويعمّق أزمة الاقتصاد وبنيته الموجودة قبل الأزمة الراهنة. ولهذا السبب فالأفراد سيتأثرون بلا شك وليس الموظفين فقط، وكذلك القطاع الخاص الذي يتعامل مع الحكومة الذي يبيع سلعاً وخدمات. وهناك مورّدون أيضاً إذا تأخرت مستحقاتهم كما جرت العادة وتأخرت أكثر من مرة، ما يعني أنهم سيفقدون قدرتهم على الاستمرار في العمل، وقد يؤدي إلى تسريحهم، كما ستتضرر أكبر فئة وبشكل منهجي وهي الأكثر هشاشة وضعفاً وهي الأسر التي تتلقى إعانات اجتماعية، والتي كانت تتلقى إعانات بقيمة 750 شيكل كل ثلاثة شهور حسب توفر السيولة، إضافة إلى أسر الموظفين لأن دخل هذه الأسر محدود لكنها قد تملك خيارات أخرى تلجأ إليها. كما ستتضرر سلع الموردين، وقطاع الخدمات الكمالية مثل الاتصالات، والنقل، والقطاعات الأساسية الأخرى مثل الأغذية والتجارية.

في اعتقادي أن التأثير الأكبر قد لا نشهده الآن، إنما بعد أن تفقد الناس كل الخيارات، وتستنفذ كل الموارد التي لديها، وبالتالي، فإن ملامح الأزمة سوف تتعمق بعد عدة شهور، ولكن هذا يطرح تساؤلاً: كم توجد ممانعة لدى المجتمع الفلسطيني لمواجهة أزمة من هذا القبيل؟ أظنّ أن الممانعة ضعيفة جداً.

** هل تعتقد أن هذا الإجراء الاحتلالي هو مجرّد حالة عرضية..؟ أم أن له جذوراً بنيوية في الاقتصاد الفلسطيني؟

*** أظنّ، أن هذا يأتي في إطار استراتيجية منهجية لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينسقها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبالتالي، هذا الإجراء بدأ في إطار الضغط الاقتصادي على الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة. وهي ليست في إطار مماحكة للسلطة، إنما هي رؤية لها علاقة بتسوية تاريخية للصراع. وهي رؤيا يراها نتنياهو من منظور توظيف الاقتصاد في الابتزاز السياسي ليرغم الفلسطينيين على تقديم تنازلات، وعليه، فهي ليست منعزلة عن التوجهات الاستراتيجية لحكومة اليمين في إسرائيل.

** ما مدى ارتباط هذا الاقتصاد باتفاقية باريس والقيود التي تفرض على الاقتصاد الفلسطيني، وتعطي الأفضلية للاحتلال ليتحكم في مقدرات شعبنا؟

*** وكأن المشكلة في اتفاقية باريس الاقتصادية. يا ليت لو تطبق هذه الاتفاقية، لكن إسرائيل لا تطبقها. المشكلة بالأساس في اتفاقية أوسلو التي وضعت هذا الصندوق وحددت أضلاعه. لقد عطلت إسرائيل هذه الاتفاقية في عام 2000، وأبقت فقط على الإجراء المتعلّق بخدمة مصالحها. وبالتالي ليس في واردها فتح هذه الاتفاقية إلى اتفاقات جزئية هنا وهناك. بل هي في وارد فرض تسوية سياسية حيث تملك فرصة ذهبية لتحقيق ذلك. فالدول العربية هشّة وضعيفة وغير متحدة وليس لديها أية ممانعة، ويخوّفونها بالبعبع الإيراني وبالتقسيم وبما يسمى الربيع العربي. والعالم منشغل في قضاياه، وهناك تقاسم حصص وأدوار بين الأقطاب المختلفة في هذا العالم، والفلسطينيون كما ترى في أضعف وأسوأ حالاتهم السياسية والمؤسسية والاقتصادية. بينما يعتقد نتنياهو أن وجود ترامب هو أفضل حالة بالنسبة إليه، وبالتالي لن يكون بوادر للدخول في مفاوضات جزئية قد ترسل رسائل سياسية خاطئة تماماً، وكأننا نريد تأبيد العلاقة في إطار سياسي قائم بعلاقة اقتصادية مع الاحتلال.

إسرائيل لديها توجّه آخر في هذا الشأن. ولديها خطة استراتيجية تعمل في سياقها. والخوف ليس الآن، بل لما بعد ذلك، أي أن الخوف من الخطوات الأخرى التي ستأتي لاحقاً، حين تقترب مواعيد تنفيذ صفقة القرن. وحين تبدأ أيضا الحملة الانتخابية لترامب في شهر تشرين الثاني القادم، ثم الانتخابات التي ستجري بعد ذلك بعام، تنضج خلالها صفقة القرن ويأتي موعد تنفيذها ومن سيدفع الثمن. في اعتقادي أن الفلسطينيين هم من سيدفعون الثمن من خلال الضغوط السياسية والاقتصادية التي ستمارس عليهم، والواقع الأمني القائم، وهذه هي الإشكالية التي ستواجهنا، خاصة أن إسرائيل تملك أدوات قادرة على خنق الفلسطينيين تماما، وأن تؤدي إلى انهيار السلطة لاحقاً.

** ما طبيعة الخطوات التي يمكن للحكومة اتخاذها لمواجهة الأزمة المالية الحالية بعد احتجاز اسرائيل أموال المقاصة؟

*** أن جاهزية الحكومة لمواجهة هذه التطورات هي جاهزية سياسية وإعلامية فقط، أكثر منها حقيقية تعكس ما هو واقع على الأرض. وواضح تماماً أن إدارة الشأن الفلسطيني لم تتغيّر بل هي ارتجالية انتقائية وردّات فعل دون أي تخطيط، ودون رؤية مسبقة. نحن نعرف أن قانون احتجاز مستحقات السلطة المالية تم تمريره في شهر تموز من العام الماضي. ونعرف أن ترامب معادٍ للفلسطينيين ويريد أن يقطع المساعدات عنهم ، كما أننا نعرف بأن نتنياهو مقدم على خطوات أخرى، لكننا نتحدث كثيرا دون أن نفعل شيئاً، وبالتالي من الواضح أن الحكومة لم يكن بحسبانها وربما تفاجأت بقرار الرئيس أبو مازن عدم استلام كامل مستحقات السلطة لدى إسرائيل، وليس بخطوة نتنياهو، لأن قرار الأخير بخصم 40 مليون شيكل شهريا من هذه المستحقات لا يقدم ولا يؤخر على الصعيد المالي، في حين أن المفاجأة الكبرى لدى الحكومة كانت من الموقف السياسي للرئيس برفضه استلام جميع أموال المقاصة، وهو ما خلق حالة الإرباك، في وقت كانت تستعد فيه لخطوات أخرى، لكنها لم تعد بعد موقف الرئيس جاهزة للقيام بأي إجراء، وهذا في ظني يعكس إشكالية في إدارة الأزمة تماما مثل أزمة الضمان الاجتماعي. حيث كان هناك أزمة فعلا. ولكن الأسوأ كيف أدرنا الأزمة، والشيء ذاته ينطبق على احتجاز الاحتلال أموال المقاصة. للأسف، نحن دائما نعيش أزمات في مواعيد متباعدة، لكننا لا ندير أزماتنا بالشكل الصحيح.

** هل تملك السلطة الفلسطينية ممثلة بالحكومة أية بدائل لمواجهة هذه الأزمات؟ وما طبيعة هذه البدائل؟

*** كل البدائل التي تطرحها هي فنية سياسية. ربما تحدّ من تداعيات المشكلة من حيث تكاليفها وأعبائها، لكنها قطعاً لن تحلّ الأزمة البنيوية الجوهرية، أي جذر المشكلة، لأن هذا الجذر موجود، وبالتالي ستتكرر الأزمة لاحقاً بأشكال أخرى، لكن الإشكالية هي في كيفية إدارة الأزمة بحيث نجتازها ولا تُدفّعنا ثمناً سياسياً كبيراً. هناك حلول فنية أصبحت معروفة. فالحكومة يمكن أن تتقشّف، لكنها لم تعلن عن أية خطة للتقشّف، في وقت كانت النفقات تزداد كلما أعلن شفهياً عن خطط للتقشف، وبالتالي ليس هناك خطة مدروسة، وهذا يتطلب اتفاقاً على أسس هذه الخطة واتفاقاً على أولوياتها، والقيام بخطوات حقيقية وعملية لتحسين الجباية من الفئات التي تتهرب من دفع الضرائب وتُسرّب البضائع للإسرائيليين، وفحص إمكانية تفعيل آليات أخرى للحصول على مساعدات دولية تضمن وجود سيولة للسلطة إلى حين حلّ المشكلة مع إسرائيل، وإذا لم تنجح هذه البدائل يجب أن تلجأ إلى علاقة إدارة الدين مع المصارف، وهي إدارة تسمى تكتيكية، أي تقترض في شهر ما، لتسدد لاحقا جزءا من هذا القرض.

المدخل الصحيح في رأيي الذي على الحكومة اتباعه، هو مدخل مالي، ما يتطلب الذهاب إلى الموازنة لترى أين تتقشّف؟ وما حجم الإيرادات التي لديها؟ وإذا استمرت بنفس الطريقة في إدارة الشأن العام بدون بحث جدّي في هذه الحلول، فأنا أظنّ أن الأزمة ستتفاقم، وفي كل يوم يمر هناك ضحية تدفع الثمن، وهناك خيار سوف يفقد، أي سيكون نفاذ للخيارات والموارد، ولذلك تتعقّد المشكلة أكثر إذا لم نعالجها من الآن، وإلا سنجد أنفسنا أمام حائط جديد، قد يؤدي إلى تفاعلات داخلية، وربما إلى فوضى واضطرابات داخلية، كما حدث في عام 2006، وقد ننتقل إلى مواجهة مع الإسرائيليين، وهذا ما يخوّف الإسرائيليين على كل الأحوال.

** هل تمتلك السلطة الفلسطينية الآليات والحلول الاستراتيجية التي يمكن أن ترد بها على الخطوة الإسرائيلية من قبيل الاستثمار في القطاعات الانتاجية وتحفيزها مثل قطاعي الزراعة والصناعة؟

*** اليوم هناك نزيف يجب أن توقفه. والمرض الخبيث لا يمكنك معالجته طالما أن هناك نزيفاً استراتيجياً. وبالتوازي مع ذلك كان هناك ما يربو على خمسة وعشرين عاماً من السياسات الاقتصادية التي أدت في مجملها إلى إهمال الانتاج الزراعي والصناعي. نحن في الواقع نحتاج إلى فترة زمنية معيّنة حتى نعود إلى مربع الاهتمام بهذه القطاعات. علينا أن نعيد الاهتمام إلى الزراعة والصناعة والسياحة الداخلية، وأن نعطي البوصلة لهؤلاء العاملين في هذه القطاعات كي ينجحوا، ما سيعزز الأمن الغذائي لدى الفلسطينيين، ويعزز القدرة على التحكم بمدخلات الإنتاج وأسعار السلع، ويعزز الاستدامة المالية، لأنه يقلل من الاعتماد على المقاصة كمصدر دخل لأن الاستيراد من إسرائيل ومن الخارج يزيد من حصة المقاصة، بالإضافة إلى أن ذلك يخلق فرص عمل باعتباره أكثر القطاعات التي يمكن أن تخلق فرص عمل.

استراتيجياً يمكن تحقيق ذلك. لكن هذا يحتاج إلى موارد وإمكانيات، وكي يتحقق ذلك، لا بد من خارطة طريق تضم اتحادات المزارعين والصناعيين، والمفكرين الاقتصاديين. أي علينا الاهتمام بهذا الجانب، وأن نقلع عن البحث عن إنجازات وهمية مثل الحديث عن رفع قيمة الصادرات إلى أكثر من مليار دولار. علينا الرجوع إلى الأرض وحلّ مشكلة الواردات، بدلاً من أن نكتفي بالتصدير، ويستفيد منه بضع شركات كبيرة في الخارج. وعلينا أن نضمن استفادة المزارع الصغير،ـ وصاحب الورشة الصغيرة، وصاحب المطعم الصغير أيضا من خلال القطاعات الثلاث التي ذكرناها سابقاً. وإذا أفدنا هؤلاء جميعاً فإننا نحل مشكلة الواردات، ويصبح لدينا سياسة إحلال واردات، وبالتالي نتوقف عن استيراد هذا الكم الكبير ما يوفّر علينا عملة صعبة، ويفتح المجال أمام المواطنين لفرص مجدية في الاستثمار. أما أن نظلّ نهتم بصادراتنا للعالم وبسلع معروفة تماماً وبميزة لا يملكها أحد كصادرات الحجر والرخام والأعشاب الطبية لتستفيد منها قلة قليلة فهذا لا بأس به، لكن فلنجعل أولوياتنا في دعم الانتاج الفلسطيني في السوق المحلي.

** لكن، هل يمكن تحقيق ذلك، مع هذا التغوًل الكبير من قبل الاحتلال في الأرض الفلسطينية استيطاناً ومصادرة للأراضي، ومنع الاستفادة من الثروات الطبيعية الموجودة؟

*** أظنّ ذلك ممكناً. على الأٌقل أفضل من الوضع الحالي. لكن قد يقولون بان "لا تنمية تحت الاحتلال". وبرأيي أن التنمية لا تكون مطلقة. قد لا تكون هناك تنمية مائة بالمائة، لكن سيكون تنمية بنسبة ما، وبالتالي النجاح نسبيّ، وعلينا أن نعود إلى ما كنّا عليه قبل إنشاء السلطة، علما بأنّ ناتج القطاع الزراعي والصناعي من الدخل كان يساوي حوالي 60%، وكانت الناس تعتمد على الزراعة والصناعة العائلية الخفيفة ( أي الصناعة التقليدية).

اليوم حين ننظر إلى القطاع الزراعي نجد أن مساهمته أقل من 3% من الناتج المحلي. وحين ننظر إلى الموازنة المخصصة لدعمه، نجد أنها لا تتجاوز نسبة سبعة أعشار بالمائة، بينما يتراجع الاستثمار فيه باستثناء الأغوار حيث الشركات الكبرى التي وجدت في الأعشاب والتمور فرصة، وخلاف ذلك فالحيّزات الزراعية بدأت تتنافر وتندثر بما في ذلك الحيّزات التي اشتهرنا فيها تقليدياً. لذا علينا أن نركّز على السلع ووضع ما يسمى بالروزنامة الزراعية وربطها بمواسم جغرافية، ومحاولة تقديم الدعم الفني للمزارعين قدر الإمكان بما يشمل توزيع البذور والأسمدة والأدوية عليهم، وفتح منافذ لهم في الأسواق لتوريد منتجاتهم إليها من خلال شبكة تسويق تحفظ كرامتهم وأسعارهم وليس الوسطاء الذين يستفيدون حاليا من الواقع القائم وبأسعار وأثمان مضاعفة. من المهم أن نبدأ التفكير بهذا الأمر، وأنا متأكد بأننا سننتقل سبع خطوات إلى الأمام. هناك فرصة. والفرصة مفتوحة. وعلينا أن نكون واقعيين هناك فرصة مقيدة، ولكننا لم نستغلّها بعد.

** كم متاح أمام السلطة لمواجهة هذا الابتزاز بوقف التنسيق الأمني، والقيام بخطوات على الأرض تمنع تحكم الاحتلال بأموال المقاصة مثلا؟

*** نعم، هي تستطيع ذلك. لكن كم ستنجح. في المقابل، فإن إسرائيل لا تواجه أية مشكلة إطلاقا في منح السلطة "تسهيلات اقتصادية"، إن فكرت الأخيرة بالمساومة في موضوع التنسيق الأمني. مشكلة إسرائيل هي في الأمن. والقاعدة التي تعمل بموجبها هي قاعدة "الأمن مقابل الاقتصاد"، وهذا هو السلام الاقتصادي الذي تعمل عليه دولة الاحتلال، أما معادلة "الأرض مقابل السلام"، فهي معادلة انتهت بالنسبة إليها منذ زمن. وإذا طرح موضوع مساومة التنسيق بخطوات اقتصادية فستعطي إسرائيل مثل هذه التسهيلات، لكنها ستطلب من الفلسطينيين اجتهاداً أكبر في موضوع الأمن. ليس للاحتلال مشكلة في هذا الأمر. وهناك ادعاء باطل يدّعيه البعض بأن إسرائيل تستفيد اقتصاديا من الضفة الغربية، وأن اقتصادها لن يصمد كثيراُ حين قامت في العام 2001، بإلغاء علاقاتها الاقتصادية مع الفلسطينيين وطردت جميع العمال. في الواقع، لدى إسرائيل اقتصاد بحجم 360 مليار دولار، وتتمتع باقتصاد ديناميكي عالٍ لا يعمل إلا بالقيمة المضافة. وهي تقيم علاقاتها الاقتصادية مع الفلسطينيين وتوظّفها بحيث تخدم مصالحها الأمنية والاستراتيجية والسياسية.

** إذن، لا تملك السلطة أية استراتيجية لمواجهة كل هذه المتغيرات؟

ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها السلطة أزمة. لقد حدثت لدينا أزمة في العام 2012 عندما توجهنا إلى الأمم المتحدة. وحدث ذلك أيضاً في العام 2015. المشكلة أننا كنا نستسهل الحلول من خلال الإقراض أو تأجيل الدفع للمستقطع الخاص أو للموظفين، وحين تعود المساعدات وتتراجع حكومة الاحتلال عن إجراءاتها وتحلّ الأزمة، نعود بسلوكنا إلى ما كنا عليه. استراتيجياً ليس لدينا أي حل. ولا نملك للأسف حلولاً استراتيجية، وإذا أردنا حلا كهذا، فعلينا أن نقرر: هل نفتح مواجهة شاملة مع الإسرائيليين على الأرض، وأن نكون مستعدين لدفع الثمن الاقتصادي المترتب على هذه المواجهة؟. عندئذ ربما تدفع المواجهة الشاملة شركاء جدد كي يفرضوا علاقات جديدة، أو الإبقاء على الوضع الحالي. وإذا بقينا على هذا الوضع، فلا خيار استراتيجي أمامنا، وجلب خيارات استراتيجية يتطلب هدم ما يسمى بأضلاع هذا الصندوق وهدم المعبد أيضا. وإذا هدمته قد تجد هناك أحدا في العالم بما في ذلك أميركا حين ترى بأن هناك تهديداً للأمن القومي ومصالحها، فستأتي مسرعة كما تعمل الآن في غزة.

** هل سنشهد على ضوء الواقع القائم أن تعود الحكومة للاقتراض من البنوك لتجاوز الأزمة المالية الصعبة التي تعانيها في هذه المرحلة؟ وإلى أي مدى يمكن الاستمرار في سياسة الاقتراض هذه؟

*** هذا سؤال مهم. أنا أسميته "الكيّ آخر العلاج". إذا أردت سلطة لا تعتمد على البنوك إطلاقاً، فإنك تعرّض الجهاز المصرفي كله للخطر، لأنه كلما اقترضت الحكومة، كلما عانت المصارف. ومصير الجهاز المصرفي واستقراره سيكون مهدداً. ولذلك يجب أن يكون الاقتراض آخر الخيارات. من الممكن أن تقترض لشهر أو شهرين، لكن بعد ذلك تصل إلى السقف، وعندما يحدث تركز ائتماني عالي تتدخل سلطة النقد وإدارات البنوك. صحيح أن البنوك معنيّة بالإقراض الحكومة مجلبة للعوائد، لكن هناك مخاطرة ستواجهها تتعلق بحقوق المودعين والمساهمين، ولذلك أظن بأن هذا الخيار محدود جداً، وأفقه أيضاً محدود جدا، ويخدم لفترة قصيرة للغاية، وبعدها سنفقد هذا الخيار. وكلما مرّ الزمن تفقد السلطة والمواطن خياراتهم، خاصة السلطة التي ستفقد خياراتها الذاتية حتى فيما يتعلق بالتقشف وإن قامت به بشكل مدروس، فإن أضراره كبيرة، ولكن تحسين الجباية أمر مهم، وهذا الخيار مع الزمن يتلاشى، لأن مشروعية العلاقة التعاقدية مع المواطن مكلف بدفع الضريبة، بينما السلطة تتراجع وتبدو عاجزة وضعيفة، ولذلك يبدأ المواطنون ينهشون السلطة، وتصبح لديهم قدرة أكبر على التهرّب بما في ذلك المكلّف. في حين أن الاقتصاد الفلسطيني سيضعف، وستتراجع معه قدرة الناس على الاستهلاك. بالتالي الزمن مهم.

في رأيي أن هذه المراهنة لن تخدم السلطة، فإسرائيل لن تتراجع، والذي سيتراجع بظني والمطلوب منه أن يتراجع ويدرس القرار الذي اتخذه بعدم استلام المقاصة هي السلطة الفلسطينية. المطلوب أن تعود وتستلم المقاصة، وفي الوقت ذاته تلتزم بدفع رواتب الشهداء والأسرى وهذا حق ويجب أن لا يناقش، وهو قرار سيادي وأخلاقي ومعنوي، لكن عليها أن لا تتخلى عن مطالبتها بمبلغ أل40 مليون شيكل المقتطعة، وأن تناضل قانونياً وسياسياً ودبلوماسياً لاستردادها، وأن لا نجعلها وكأنها لب الصراع مع الاحتلال. يجب أن نستفيد من الموضوع وأن نعيد دراسته ونرى تطور العلاقة مع العالم وأفق فرض حل مع الإسرائيليين.

ملاحظة: ما ورد في نص المقابلة يعبر عن وجهة النظر الشخصية لصاحبها، وليس من الضرورة أن يعبر عن وجهة نظر "مفتاح"

لنفس الكاتب

التاريخ: 31/07/2019
التاريخ: 30/07/2019
التاريخ: 28/07/2019
التاريخ: 20/07/2019
التاريخ: 17/07/2019

ارسل المقال طباعة المفال
Main Menu
تبرع الآن
Dot
مفتاح - القائمة الرئيسية
Dot
النشرة نصف السنوية - العدد الخامس
العدد الخامس
Dot
القرار 1325
القرار 1325
Dot
Dot
رؤية فلسطينية نسوية تستند إلى المراجعة الدولية لتنفيذ القرار الأممي 1325
(الاستراتيجيات العشر للعمل على قضايا المرأة والسلم والأمن)
Dot
Dot
حقوق الطبع © 2013 مفتاح
كافة الحقوق محفوظة