Head Menu
|
|
|
2020
. آب
5
، الأربعاء
Top Menu
| البحث | خرائط | البوم الصور | منشورات مفتاح | البرامج والمشاريع | الصفحة الرئيسية |

  • صفقة القرن تهدف من منظور صهيوني "عقلاني" – إن جاز التعبير – إلى إنقاذ اليمين وإنقاذ إسرائيل من نفسها
  • ما قاله سفير إسرائيل أمام مجلس الأمن بشأن الرئيس أبو مازن قد يدفع الجانب الأميركي إلى العمل على إجراء نوع من التغيير السياسي، لكنه لن يكون بذات الطريقة التي تم فيها التغيير مع الرئيس الراحل أبو عمار
  • إسرائيل ألغت عملياً حل الدولتين منذ فترة. واليمين الإسرائيلي ليس في وارد قبول دولة فلسطينية خاصة مع استمرار الاستيطان
  • منظمة التحرير غير موجودة في الواقع، والسلطة أصيبت في مسار اوسلو بحالة من الهوس مما يمكن أن يسمى ب"الخطاب الدولاني"
  • هناك انقسام عربي إزاء مسألة التطبيع الذي يقوده تيّار في عدد من دول الخليج
  • المصالحة إن كانت ستتم، فعلى برنامج نضالي جديد، وليس على أساس تقاسم الحصص
  • لا أعتقد أن بإمكان الجانب الفلسطيني التأثير كثيراً على الرأي العام الإسرائيلي للتوصل إلى تسوية سياسية
  • يجب أن نفكر بطريقة جديدة لأغراض المستقبل. طريقة خلاقة على أكثر من صعيد.. على الصعيد التنظيمي، وعلى صعيد الخطط
  • المطلوب إعادة بناء القوة المنظمة في المجتمع خاصة التي لها قاعدة واسعة التي هي بمجملها مؤسسات المجتمع المدني
  • الانتخابات مهمة، ولكن في ظروف معيّنة. أولا، أن تكون ممكنة دون عوائق تمنع. ثانيا، وجود نظام سياسي مستقر ذو سيادة. وكلاهما غير موجود الآن

مقدمة:

قال د. جورج جقمان، الكاتب السياسي والأستاذ في جامعة بيرزيت، أن إسرائيل ألغت عملياً حل الدولتين منذ مدة، من خلال سياساتها الاستيطانية التوسعية في الأراضي الفلسطينية، وأنه ليس في وارد اليمين الإسرائيلي الذي يهيمن على السلطة هناك أي قبول بقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 67.

وفي حوار معه، ضمن زاوية "في ضيافة "مفتاح"، أكد جقمان أن أحد أهداف صفقة القرن من منظور صهيوني "عقلاني" هو إنقاذ اليمين وإنقاذ إسرائيل من نفسها، أي فصل الفلسطينيين عن إسرائيل من خلال كيان سياسي ما، يمكن أن يسمى دولة، وتحت الوصاية الإسرائيلية، لغرض إبقاء إسرائيل دول يهودية ومنع حل الدولة الواحدة، محذراً من قيام الولايات المتحدة بإجراء يتعلق بالرئيس محمود عباس على خلفية معارضته الشديدة للصفقة، من نوع إحداث تغيير سياسي، كما فعلت في دول عدة في السابق، لكنه لن يكون بذات الطريقة التي تم فيها التغيير مع الرئيس الراحل أبو عمار.

وفيما يتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية، قال د. جقمان، إن المنظمة غير موجودة في الواقع، في حين، أن السلطة أصيبت بحالة من الهوس مما يمكن أن يسمى ب"الخطاب الدولاني" طيلة مسار أوسلو بما في ذلك عند حل المجلس التشريعي، إذ قال البعض في نوع من الهذيان السياسي، أن هذه خطوة نحو الدولة.

وحول اللقاءات التي تمت مؤخراً بين إسرائيليين وفلسطينيين، بمبادرة من لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي، استبعد جقمان، أن يتمكن الجانب الفلسطيني من التأثير كثيراً على الرأي العام الإسرائيلي للتوصل إلى تسوية سياسية، داعياً إلى إعادة بناء القوة التنظيمية في المجتمع الفلسطيني، في حين استبعد إجراء انتخابات بالنظر إلى عدم توافر شروط إجرائها في هذه المرحلة.

وفيما يلي نصّ الحوار:

- ما قراءتكم للتطورات الأخيرة التي أعقبت الإعلان رسمياً عن صفقة القرن خلال المؤتمر الصحفي الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟

*** كما هو معروف، فقد جرى تأجيل الإعلان عن صفقة القرن عدة مرات، وهناك نص مكتوب موجود على الانترنت لمن يريد أن يقرأ المزيد عن هذه الصفقة. لكن من المهم الإشارة إلى أنه سبق الإعلان عن الصفقة اعتراف الولايات المتحدة بالقدس غربيّها وشرقيّها كعاصمة لإسرائيل، وربما "زيادة البيّاع" - كما يقال - اعترافها أيضاً بضم إسرائيل للجولان، ومن غير الواضح تماماً ما إذا كان هذا الجانب من الاعتراف بالجولان، ضمن صفقة القرن أم لا. وقد قيل الكثير عن أهداف الخطة، مثلا أنها صممت لكي تُرفض، وكان هذا عنوانا لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في حينه. وقيل أيضاً أن الهدف منها مساعدة نتنياهو في الانتخابات، كما قيل أنها ستساعد ترامب نفسه في بعض الأوساط اليمينية في الولايات المتحدة الأميركية، وأنها تهدف لتصفية القضية الفلسطينية. وجميع ما ذكر قد يكون من أهدافها، لكن لدي قراءة أخرى للأسباب ، أي أن الخطة بالإضافة إلى مجمل الأهداف المشار إليها، فهي تهدف من منظور صهيوني "عقلاني" – إن جاز التعبير – إلى إنقاذ اليمين وإنقاذ إسرائيل من نفسها. فكما هو معروف، فإن بعض الأوساط داخل إسرائيل خاصة من الكتّاب ممن يروْن في حل الدولتين حلاً مناسباً للقضية، كانوا قد حذّروا في الماضي من أن نهاية الطريق التي قد يقود إليها الضم، هو أن تنتهي إسرائيل كدولة واحدة فيها أغلبية فلسطينية. وأعتقد أن أحد الأهداف هو فصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين تفادياً لهكذا نتيجة. ولكن في البداية لم يكن هناك تفكير بأن هذا الفصل سيتم من خلال شيء اسمه دولة فلسطينية. فمثلاً في مقابلة مع صحيفة "القدس" في حزيران من العام 2018، تحدث كوشنير نفسه عن حكم ذاتي ولم يشر إلى شيء اسمه دولة. ولكن فكرة الفصل كانت موجودة ضمن إطار الحكم الذاتي. أعتقد أنه بسبب الرفض الفلسطيني ولتيسير أي ضغط عربي ممكن على الجانب الفلسطيني جرى استبدال هذه العبارة بعبارة "الدولة الفلسطينية"، ولكن بقي جوهر الموضوع واحداً سواء من ناحية ضمّ الأرض، أو من ناحية الفصل مع إسرائيل، وإيجاد إطار من منظور صهيوني يلبي ما يرون بإمكانه أن يلبي بعض "الطموحات" السياسية الفلسطينية كما يسمونها، أي أنها ليست حقوقاً وإنما "تطلعات وطموحات". هم لا يستخدمون عبارات أخرى. والآن في هذا التاريخ الذي نتحدث فيه توجد لجنة إسرائيلية أميركية لبحث موضوع ما سيتم ضمه من أراضي الضفة الغربية، وأعتقد أن الموقف لدى الأميركيين هو أن لا يترك موضوع الضم كلياً لنتنياهو أو أية حكومة إسرائيلية قادمة، لأن هذا يخلق إشكالية للخطة. وهذه الخطة لا تتعارض مع ضمّ الأجزاء المقرر أن تكون في إسرائيل حسب تلك الخطة، لكن ليس أكثر من ذلك الآن لغرض ترك مجال للمفاوضات حسب تصور الخطة. وأنا أتحدث تقريباً عن حوالي 30% من أراضي الضفة الغربية، وهذا ما هم موافقون عليه، ولكنهم غير موافقين على الأٌقل خلال فترة السنوات الأربع التي تتضمنها الخطة أن يتم ضم نسبة أكبر من الأراضي. نحن الآن في هذا الظرف، وهنا تنشأ أسئلة كثيرة.

- فلسطينياً، هل كان التعامل مع ما طرحته الخطة بمستوى الخطورة التي تمثلها الصفقة؟

** أعتقد أن تفاؤل مجموعة كوشنير وفريقه الذي كان موجوداً في عام 2017، - وأشير تحديدا إلى هذا العام، لأن خطة صفقة القرن كانت جزءا من خطة أكبر جرى التباحث فيها مع عدد من الأنظمة العربية، بما في ذلك السعودية والإمارات. وعندما زار ترامب السعودية في العام 2017 كانت الخطة جاهزة، وقد تضمنت صفقة القرن ومسعى لآخر للتطبيع بين الطرفين -، أعتقد أنه في هذه الفترة كان تفاؤل فريق ترامب أكبر مما بان لاحقاً بالنسبة لإمكانية الدول العربية في الضغط على الجانب الفلسطيني. أعتقد أن الموقف الفلسطيني الذي كان قوياً وصلباً برئاسة الرئيس محمود عباس صّعب الأمر على عدة دول عربية في الضغط على الجانب الفلسطيني، بدليل أن الموقف السعودي الرسمي ما زال حتى الآن وحسب تصريح قبل أسبوعين لوزير خارجية السعودية هو أن الحل السياسي يجب أن يسبق التطبيع، وهذا هو الموقف الرسمي. أما الموقف غير الرسمي، فهذا موضوع آخر. والموقف السعودي هذا كرره الملك سلمان خادم الحرمين الشريفين في مؤتمر جامعة الدول العربية الذي انعقد في الأردن في شهر آذار من العام الماضي. وبالتالي، فإن الجانب الفلسطيني استخدم كل الأدوات التي بيده، ونقطة القوة الرئيسية هي أن خطة صفقة القرن ك "حل سياسي" للصراع يلزمه طرف فلسطيني، وإذا كان هذا الطرف رافضاً فلن يوجد حل، وهذه طبعاً معضلة صفقة القرن الآن. قد يوجد ضمّ، أراض ولكن ليس حلاً سياسياً ينهي الصراع كما كانوا يأملون .

- هل تعتقد أن الأميركيين سيعودون لاحقاً لفرض خطتهم؟ وماذا يفهم من تصريحات السفير الإسرائيلي الأخيرة في مجلس الأمن حول الرئيس محمود عباس؟

** ليس من المستبعد أنهم سيسعون في فترة لاحقة للعودة إلى ذات الموضوع، وهناك مؤشرات لا يمكن الركون إليها تماماً، ولكن أعتقد أن ما قاله سفير إسرائيل في الولايات المتحدة في خطابه أمام مجلس الأمن، والذي تلا خطاب الرئيس أبو مازن في 8 شباط 2020، إذ قال أن السلام لن يحل بوجود أبو مازن. أعتقد أنه ليس كلياً مستبعداً، أن يعمل الجانب الأميركي على إجراء نوع من التغيير السياسي كما فعلت الولايات المتحدة في الكثير من الدول سابقا. لا أقصد أن التغيير سيحصل بذات الطريقة التي تم فيها التغيير مع الرئيس الراحل أبو عمار. لا أقصد هذا. ولا أقصد أن هناك مشروعاً "للتخلص" من الرئيس أبو مازن، بالرغم من أن وسائل الإعلام الفلسطينية اعتبرت كلام السفير الإسرائيلي على أنه تهديد لحياة الرئيس. أعتقد أن هذا الأمر مبالغ فيه، ولكن كما تعلم، في فترة سابقة ظهرت بعض الأصوات الداخلية توصي ب"التعامل" مع الخطة، وقد هاجمتها وسائل الإعلام الفلسطينية. ربما يأمل الأميركيون أن يعودوا لهذا الموضوع خلال فترة السنوات الأربع القادمة إن أعيد انتخاب ترامب، ربما بعد مرحلة أبو مازن أطال الله في عمره.

- أين تقف أوروبا من مجمل هذه التطورات السياسية ؟

** إن كان الحديث عن الاتحاد الأوروبي، يوجد فرق بين دوله. وهناك مواقف واضحة ونسبياً قوية لعدد من هذه الدول. لكن مشكلة الاتحاد الأوروبي معروفة. ففي الاجتماع الأخير في بداية شهر شباط لم يتمكن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي من الاتفاق على رفض صفقة القرن، أو أي مبادرة سياسية لأنه يلزم أن يكون القرار بالإجماع. وكما هو معروف إسرائيل لديها اختراق لعدد من الدول خصيصاً دول أوروبا الشرقية. فالمجر وجمهورية التشيك، وإيطاليا أيضا، رفضوا وجرى تأجيل الموضوع. هذه مشكلة الاتحاد الأوروبي كاتحاد، ولكن هناك مواقف دول أخرى مشجعة على الأٌقل في بعض النواحي وليس في جميع النواحي. فمثلاً موقف الحكومة الألمانية في موضوع المحكمة الجنائية الدولية مساند لإسرائيل تماماً.

- ماذا عن موقف النظام الرسمي العربي من هذه الصفقة، وقد شاهدنا وفوداً عربية تشارك في مؤتمر الإعلان عنها بواشنطن؟ ألا يضعف هذا الموقف الفلسطيني برفض الصفقة؟

** الوفود العربية التي شاركت في المؤتمر الصحفي لترامب ونتنياهو معروفة. وسفير الإمارات على وجه التحديد وأشير إليه بشكل خاص، لأنه هو من النشيطين في بناء علاقات مع المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة، وكذلك في مسار التطبيع مع إسرائيل. هم يعكسون مواقف حكوماتهم، ولكن أغلبية من السفراء العرب لم يكونوا موجودين. وبالتالي هناك انقسام واضح. ولكن أغلب المتحمسين للتطبيع من الدول العربية معروفون.

- ألا ترى أنّ هناك اختراقاً إسرائيلياً على أكثر من ساحة عربية وإسلامية فيما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل ؟

** هذا صحيح. فعلى سبيل المثال هناك السودان ولقاء نتنياهو مع عبد الفتاح البرهان. ولكن نفوذ الإمارات، والسعودية بدرجة أقل، في السودان موجود منذ فترة. فمثلاً الإمارات تلعب دوراً في إرسال جنود سودانيين للقتال في اليمن وليبيا. من الواضح أنّ هناك انقساماً عربياً، وأن مسألة التطبيع يقوده تيّار عدد من دول الخليج، لكن ليس جميع هذه الدول. أنظر مثلاً إلى موقف الكويت، وهو موقف مختلف تماماً، وقد رأينا موقف رئيس مجلس النواب الكويتي الذي مزّق خطة صفقة القرن. صحيح أنه موقف دراميّ، ولكن له أبعاد سياسية. أنا أضع الأمر في سياق أوسع. فإذا نظرنا إلى الانتفاضات العربية، من هو المناهض للتغيير الذي تطالب به الشعوب العربية ابتداء بتونس، ولكن خصيصاً مصر، وبعد ذلك في الجزائر والعراق والسودان ولبنان، رغم أن الأخير حالة خاصة ؟ صحيح أنه توجد أطراف داخلية مناهضة للتغيير، أو ما يسمى ب"الدولة العميقة"، لكن أيضا توجد أطراف عربية مناهضة للتغيير خشية أن تصلها هذه الموجة، وفي نفس الوقت هذه هي نفس الأطراف التي تسعى للتطبيع مع إسرائيل. هذه هي الصورة الآن. فالأنظمة العربية التي هي ضد الثورات العربية، وضد التغيير إلى أنظمة حكم تسعى للعمل لصالح شعوبها، هي أيضاً مع التطبيع.

- بماذا تفسر قرار المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية، ثم تراجعها لاحقاً عن هذا القرار ؟

** للدقة، فإن وسائل الاعلام الفلسطينية تحدثت كثيراً عن فتح تحقيق. وفي الواقع لم يكن هناك قرار بفتح تحقيق تماماً. القرار كان هو بتشكيل لجنة للنظر فيما إذا كان هناك ولاية قانونية للنظر في المحكمة الجنائية على فلسطين. والسبب في ذلك، هو أن إسرائيل قدمت مداخلة مدروسة قانونية تدّعي أن لا ولاية قانونية للمحكمة على فلسطين، لأن فلسطين ليست دولة. وبعد المدة المقرر فيها أن تقدم لهذه اللجنة تقريرها عندئذ سيتخذ القرار. لا يوجد قرار بفتح تحقيق. ما حصل هو أن رئيسة المحكمة أعلنت أنه توجد أدلة تبين أنه جرى ارتكاب جرائم حرب، وأن هناك إمكانية لفتح تحقيق، ولكن يسبق هذا قرار اللجنة، والتي شكلت كما أشرت، لرؤية ما إذا كان هناك ولاية قانونية للمحكمة، وبالتالي لم يكن هناك قرار بفتح تحقيق، وهذه نقطة مهمة. لكن وسائل الاعلام الفلسطينية تحدثت عن فتح تحقيق وهذا غير صحيح. الآن نحن أمام معركة، لأن الضغوطات مستمرة، ليس فقط من قبل إسرائيل، وإنما من الولايات المتحدة، وهو ما عبر عنه موقفها الأخير من أنه لا توجد ولاية قانونية للمحكمة على فلسطين، وبالتالي ما هو مطلوب هو استمرار العمل الفلسطيني الدبلوماسي الدؤوب للضغط بالاتجاه المعاكس لضغط إسرائيل.

نحن أمام معركة دبلوماسية وسنرى نتيجتها. وإسرائيل تخشى كل الخشية من موضوع المحكمة، لأنه سيخلق مشكلة لها ولكثير من رجال السياسة والضباط الذين هم مسؤولون عن جرائم الحرب الإسرائيلية. الأمر الآخر وما هو ضروري، هو أن تصمد السلطة الفلسطينية أمام الضغوطات، لأنه في الماضي كان هناك مناسبات رضخت فيها السلطة للضغوطات، كما كان عليه الحال في عدم متابعة تقرير غولدستون. أعتقد أن الوضع مختلف الآن. ربما لأنّ السلطة وتحديداً الرئيس أبو مازن بعد صفقة القرن، وصلا إلى نهاية الطريق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما يتعلق بأية إمكانية لأي مسار سياسي. أي أنه لا يوجد ما يتم خسارته من قبل الجانب الفلسطيني.

- كيف يؤثر الانقسام الداخلي الفلسطيني على مواجهة مجمل هذه التطورات. وقد لوحظ أنه بعد خطاب الرئيس الأخير في مجلس الأمن، كان متوقعاً أن تتجه البوصلة نحو الوضع الداخلي، لكن شهدنا توجهاً آخر نحو الساحة الإسرائيلية في محاولة لما قيل للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي؟

** موضوع الانقسام لا شك أنه موضوع هام، ولكن في رأيي الشخصي ليس على نفس الدرجة من الأهمية التي تضفيه على الموضوع وسائل الإعلام. والسؤال لدى الحديث عن إنهاء الانقسام، ما هو المقصود بهذا الإنهاء، ما هو المقصود تحديداً برأب الصدع؟ المقصود هو تطبيق وثائق موقعة وهي اتفاقيات القاهرة التي كان أولها اتفاقية القاهرة في آذار من العام 2005 وآخرها اتفاقية القاهرة في العام 2011. ما تلاها هو شيء واحد سمي في حينه ب"تفاهمات 2017"، وهي مبنية جزئياً على اتفاقية 2011. بالتالي، إذا نظرت إلى اتفاقية القاهرة للعام 2011 تجد أن بنوداً رئيسية فيها غير قابلة للتطبيق والطرفان - أقصد فتح وحماس - يعرفان ذلك. مثلاً دعني أشير إلى ثلاثة بنود، أولاها: بند دمج الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، هذا غير ممكن في الظرف الحالي. أما ثاني البنود، أي إجراء الانتخابات، فقد جرت محاولة، ولكن أعتقد أن الطرفان لا يريدان هذه الانتخابات. وحتى لو جرت وتمت سيتم العودة إلى ما كان سابقاً. أي أنه ستجري مقاطعة حماس ولن يسمح لها بتشكيل حكومة حتى لو فازت، بمعنى أنه لن يتم التعامل معها من قبل الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية بما في ذلك إسرائيل، وستخلق أزمة جديدة. ثم أن البند الثالث وهو مهم جدا ويتعلق بانضمام حماس لمنظمة التحرير. فماذا تعتقد بأنه ستكون النتيجة لو انضمت؟ ستعلن إسرائيل والولايات المتحدة بأن م. ت. ف عادت لتكون منظمة إرهابية وهذا غير مقبول للسلطة الفلسطينية، وهو أمر واضح. فهذه الاتفاقية بمجملها غير قابلة للتنفيذ، وأنا أدّعي بأنّ الطرفين لا يريدان فعلاً المصالحة، بما أن الوضع الحالي من منظور كل طرف بغضّ النظر عما هو معلن، ليس هو الوضع الأمثل، ولكنه الوضع الأكثر راحة من إجراء المصالحة. إذا أردت المصالحة يوجد شيء يسبق ذلك منطقيّاً، وهو نقطة البداية، ويتمثل في ماهيّة برنامج العمل في الظرف الحالي سواء قبل أو بعد صفقة القرن. أعتقد أنّ المصالحة إن كانت ستتم، فستتم على برنامج نضالي جديد، وليس على أساس تقاسم الحصص كما يسعى الطرفان المتخاصمان.

- ما طبيعة هذا البرنامج برأيك؟

** هذا هو السؤال المفتوح الآن بعد صفقة القرن، خاصة إذا قامت إسرائيل بضمّ أجزاء من الضفة الغربية. وإن جاز التعبير، فإن من "إيجابيات" صفقة القرن، هو أنها ربما أقنعت العديد بأن حل الدولتين قد انتهى بالفهم الفلسطيني له، خاصة مع استمرار الاستيطان وإمكانية ضم أجزاء من الضفة الغربية. وإذا كان هناك طرف فلسطيني في المستقبل سيقبل بشيء شبيه بحكم ذاتي أسمه دولة، فهذا أمر آخر. وإذا كان حل الدولتين هو المشروع الوطني، فيلزم وجود مشروع وطني جديد أو متجدد. هذا هو السؤال المفتوح. وهذا هو الموضوع الغائب من النقاش العام. أنا أدّعي أن هذا الوضع ليس بجديد. فإسرائيل عملياً ألغت حل الدولتين منذ سنوات. واليمين الإسرائيلي ليس في وارد قبول دولة فلسطينية، حتى أنه كان لديهم اعتراض على ما ورد في خطة صفقة القرن، وليس في وارد تخليهم عما يطمحون لسرقته من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية. هذا أمر واضح. لذلك أقول أنه بعد انتهاء مفاوضات كامب ديفيد في تموز من العام 2000، وتحديداً بعد مفاوضات طابا في مصر في شهر كانون أول من عام 2001، عندما كان إيهود باراك رئيسا للحكومة الإسرائيلية كان من الواضح أنه حتى لو جرى اتفاق لن يكون باراك في وضع تمرير هذا الاتفاق في الكنيست الإسرائيلي، لأن أغلبية يمينية سيكون لها نصيب الأٍسد من المقاعد بعد الانتخابات التي كانت على وشك الحصول، وهذا ما تم فعلاً. كانت هناك محاولة في عهد أولمرت في عام 2007، ومحاولات وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري في عام 2013 و2014 للتوصل لاتفاق. وكان كيري صريحا بهذا الشأن، حين وضع اللوم للفشل على الجانب الإسرائيلي.

- أين منظمة التحرير الفلسطينية من هذه التطورات، وقد برزت أصوات تطالب بحل السلطة، وأخرى تنادي بإعادة تعريف وظيفتها، وتعزيز مكانة المنظمة التي تآكلت خلال السنوات الأخيرة لصالح السلطة؟

** عملياً منظمة التحرير غير موجودة في الواقع. غير موجودة بتاتاً. موضوع المنظمة موضوع هام جداً، والسبب أنه لا يجب التخلّي عن الإطار التمثيلي للشعب الفلسطيني ككل في الداخل والخارج، وقد كان هذا من أهم إنجازات المنظمة. ما حصل هو تماهي م. ت. ف بالسلطة الفلسطينية، وبالتالي توجد حاجة لإعادة بناء المنظمة، ولكن ليس هذا فقط، وإنما في إطار تصور أهم عن ماهيّة المشروع الوطني الجديد. وضمن هذا التصور يجب أن نسأل السؤال المتعلق باستمرار السلطة الفلسطينية كما هي أو عدمه. ما حصل إبان فترة أوسلو هو أن السلطة الفلسطينية أصابها نوع من الهوس مما يمكن أن يسمى ب"الخطاب الدولاني"؛ وزارات، ومناصب، وتسميات مختلفة توحي بوجود دولة مستقلة فعلاً، والسلطة في الواقع حكم ذاتي محدود الصلاحيات مثل بلدية كبرى لإدارة شؤون السكان، وهذا كله ينبغي إعادة النظر فيها باتجاه المشروع المتجدد. أي أنّ السؤال حول حلّ السلطة أو عدمه، يجب أن ينظر إليه في إطار تصوّر أعمّ عن الدور المرجوّ في هذه المرحلة للسلطة الفلسطينية وطبيعة تشكيلها. وقد أشار الرئيس أبو مازن في حديث له مؤخراً إلى أنه قد يعاد النظر في عمل السلطة الفلسطينية، ولكن لم يفصح ما هو المقصود، ولا أعتقد أنه يوجد تفكير تفصيلي بهذا الاتجاه. أعتقد أن هذا هو السؤال الغائب منذ فترة وليس فقط الآن.

- هل تعتقد أن هناك جدوى من عمل لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي؟ ومن القدرة على التأثير في الرأي العام الإسرائيلي لصالح تسوية مع الفلسطينيين؟

** يوجد فارق بين ما هو صحيح من ناحية المبدأ، وبين ما هو في الواقع. فمن ناحية المبدأ، وحتى يمكن التوصل إلى حل، يجب أن يكون هناك طرفاً إسرائيلياً يشترك في التصور عن ماهية الحل مع الجانب الفلسطيني. ولكن في نفس الوقت ما كان يعرف باليسار الإسرائيلي ضعف إلى درجة كبيرة ولا يوجد أية فعالية سياسية له. ولا أعتقد أن بمقدور الجانب الفلسطيني إحياء هذا الجانب. فضعف ما عرف باليسار الإسرائيلي أسبابه داخلية، وأعتقد أن السبب الرئيس هو نجاح دولة إسرائيل في تحييدها لأية ضغوطات خارجية عليها بسبب نفوذها داخل الولايات المتحدة ومن ثم دول أخرى. وبالتالي من منظور اليمين الإسرائيلي، فإن المشروع الصهيوني فيما يتعلق بالأرض في الضفة الغربية مشروع يسير على قدم وساق، ولا يوجد سبب لهم بعدم الاستمرار في هذا الطريق، وهذا طبعاً أضعف اليسار الإسرائيلي خاصة في مسألة التطبيع عندما يعتقدون بأنهم يحققون إنجازات. وبالتالي لا أعتقد أن بإمكان الجانب الفلسطيني التأثير كثيراً في هذا الصدد. لكن، هذا لا يعني أنّه يجب التخلي عن المبدأ، وهو الحاجة لوجود طرف إسرائيلي، ولكن السؤال الأساسي بالنسبة للمستقبل ليس هذا. بل أن السؤال المركزي هو: ما هو المشروع الوطني الجديد؟ هذا هو السؤال الغائب في النقاش العام، ربما أن الإجابة ليست يسيرة. لكن بالرغم من هذا يجب أن نفكر بطريقة جديدة، طريقة خلاّقة على أكثر من صعيد، على الصعيد التنظيمي، وعلى صعيد الخطط، وما يمكن عمله. للأسف نحن أمام فترة جديدة، وأعتقد أنها ستكون طويلة، ولكن يجب أن نسأل: ما هي مصادر القوة الفلسطينية وكيف يمكن استغلالها والإفادة منها؟ وفي هذا يجب أن ينصبّ التفكير.

- كيف ترى دور المجتمع المدني ومؤسساته في المرحلة الحالية؟ وما المطلوب منها في إطار المشروع الوطني؟

** يعتقد كثيرون أن المجتمع المدني هو المؤسسات الأهلية، وهذا خطأ فادح. فالمقصود بمؤسسات المجتمع المدني هو التنظيمات التي ليست من الدولة، أي المستقلة نسبياً عن الدولة، وهي ليست خارج الدولة، ولكنها مستقلة، وأهمها المؤسسات التي لها قاعدة جماهيرية وشعبية مثل الأحزاب والنقابات باختلاف أنواعها، وليس المؤسسات الأهلية التي في الواقع ستقوى بوجود مؤسسات شعبية، وتضعف في غيابها من ناحية الفعالية والتأثير. أعتقد أنه يجب مستقبلاً العمل على إعادة بناء هذه المؤسسات سواء كانت نقابات باختلاف أنواعها عمالية أو مهنية أو أحزاب سياسية، أو قد تأخذ أشكالاً مختلفة ليس بالضرورة أن تكون أشكالاً هرمية. ولكن المطلوب إعادة بناء القوة التنظيمية في المجتمع التي هي بمجملها مؤسسات المجتمع، والتي أضعفها المؤسسات الأهلية أو ما يعرف بال NGO’S، كما اشرت، لأنه في الغالب ليس لها قوة جماهيرية. ولكن عندما تكون هناك قوى منظمة من نقابات وأحزاب، يمكن للمؤسسات الأهلية أن ترفد عمل هذه المؤسسات، وستجد البوصلة لعملها في إطار مشروع وطني. أعتقد أن هذه هي المهمة الأساسية.

- هل ترى ضرورة فعلية لإجراء انتخابات في هذه المرحلة؟ وماذا يمكن أن تفضي إليه فيما لو جرت؟

** الانتخابات مهمة، ولكن في ظروف معيّنة. أولا، أن تكون ممكنة دون وجود عوائق تمنع من أن تكون نزيهة أو ممثلة. ثانيا، وجود نظام سياسي مستقر نسبياً، وليس في حالة صراع وجودي كما هو الحال الآن. وكلا الشرطين غير متوفّرين في هذه المرحلة. لا شك أن الانتخابات أحد مصادر الشرعية في الأنظمة السياسية المستقلة. ولكن في إطار عملية تحرير، فإن م. ت .ف اكتسبت شرعيتها ليس من الانتخابات، وإنما من العمل المقاوم، وهذه الطريق سلكتها حركة حماس أيضاً. السؤال هو: في أي مرحلة نحن الآن؟ سيكتسب شرعية من يوفر بعض الإجابات للأسئلة الأساسية المطروحة، ويسعى للعمل بهذا الاتجاه. وأقصد إجابات حول ماهيّة المشروع الوطني الآن، والعمل من أجله، سيكون أساس الشرعية الجديدة. وفي كلّ الأحوال الانتخابات متعذرة الآن، إذْ أنّ إسرائيل لم تسمح لفلسطينيي القدس بالمشاركة، ومن غير الممكن عقد انتخابات بدون القدس، لأنّه سيعتبر تخلّي عن القدس.

- في أي سياق تندرج شروط التمويل الأخيرة التي يحاول الاتحاد الأوروبي فرضها على المؤسسات الأهلية؟ وما قراءتكم لهذه الشروط؟

** هي تندرج في سياق ضغوط تقوم بها إسرائيل لغرض تحييد مقاومة مسعى مقاطعتها وسحب الاستثمارات الأجنبية منها، وهو نشاط تقوم بها أل BDS، والتي تخشى منها إسرائيل، وهي تقوم بمحاربة هذا المشروع في كل مكان تتمكن من الوصول إليه بما في ذلك مسعى لإيقاف الدعم عن المؤسسات الأهلية الفلسطينية التي تناصر أل BDS، وأولها دور هذه المؤسسات في رفد المحكمة الجنائية الدولية بمعلومات تساعد في فتح تحقيق، أو محاكمة مجرمي الحرب. بالطبع الاتحاد الأوروبي يخضع لضغوطات، ولكن كما شاهدنا، فإنّ المؤسسات الفلسطينية اتخذت موقفاً قوياً ضد الشروط السياسية، ويجب أن يتابع، وهو غير كاف لعكس سياسة الاتحاد الأوروبي حتى الآن وبعد إقرارها. لكن بوجود مسعى ضاغط متواصل ومثابر ليس من المستحيل تغيير هذه السياسة في المستقبل. هذه معركة يجب أن تخاض وللممثليات الفلسطينية في الدول الأوروبية دور هنا، لكنّه ضعيف حتى الآن.

ملاحظة: ما ورد في نص المقابلة يعبر عن وجهة النظر الشخصية لصاحبها، وليس من الضرورة أن يعبر عن وجهة نظر "مفتاح"

لنفس الكاتب

التاريخ: 29/07/2020
التاريخ: 29/07/2020
التاريخ: 30/07/2020
التاريخ: 22/07/2020
التاريخ: 11/07/2020

ارسل المقال طباعة المفال
Main Menu
تبرع الآن
Dot
مفتاح - القائمة الرئيسية
Dot
النشرة نصف السنوية - العدد السابع
العدد السابع
Dot
الدستور- نشرة تعريفيّة
الدستور- نشرة تعريفيّة
Dot
القرار 1325
القرار 1325
Dot
Dot
Dot
Dot
حقوق الطبع © 2013 مفتاح
كافة الحقوق محفوظة