|
نتانياهو ـ ساركوزي.. الصداقة والمصالح
الموقع الأصلي:
أبرزت وسائل الإعلام الفرنسية الموقف الحازم الذي اتخذه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بمطالبته رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، أثناء زيارته قبل أيام لباريس، بالوقف الكامل للاستيطان وبناء المستعمرات.
لكن وفيما هو أبعد من كل ما قيل كانت هناك نقاط توافق وتفاهم أكثر وأعمق. لقد غادر نتانياهو باريس وهو «يتولاه الشعور أنه أُصغي إليه جيّداً وأن لديه في قصر الإليزيه صديقاً يمكنه الاعتماد عليه»؛ كما جاء في افتتاحية صحيفة وطنية كبرى «الفيغارو». وفيما هو أبعد من التصريحات «الدبلوماسية» حيال الشريك الأميركي، لا يريد الرئيس ساركوزي أن يستأثر باراك أوباما وإدارته بمفاوضات السلام في منطقة الشرق الأوسط التي لفرنسا فيها مصالح تاريخية. هكذا أخرجت باريس من جديد الورقة التي لعبتها سابقاً وجددت لعبها أثناء زيارة نتانياهو لها والمتمثّلة في الدعوة إلى عقد «مؤتمر دولي حول السلام في الشرق الأوسط»، وبالطبع سيكون لها فيه دور أساسي. الإدارة الأميركية فهمت المقصد الفرنسي واعتبرته «تشويشاً» على مساعيها للحل وعلى ما تبذله من أجل فتح صفحة جديدة مع العالمين العربي والإسلامي غير تلك التي «سوّدتها» الإدارة السابقة. ليس هناك خلاف بين باريس وواشنطن على الحل القائم على أساس الدولتين ووقف الاستيطان، ولكن بالأحرى حول مَن يفعل ماذا؟ ومن بوّابة «التنافس» على الأدوار وحسابات المصالح يريد نتانياهو، من جهته، أن يلعب الورقة الأوروبية عامة، والفرنسية خاصة، في مواجهة الضغوط التي يمارسها عليه باراك أوباما وتحديداً فيما يتعلّق بوقف الاستيطان وبناء المستعمرات وحيث ليس هناك ما يدلّ على أن الرئيس الأميركي سوف يتراجع، فمصداقيته وصورة أميركا في الميزان. مع ذلك هناك رسالة يريد نتانياهو أن يوجهها للجميع وفي مقدّمتهم الإسرائيليين والأميركيين، ومفادها انه لا يزال هناك أصدقاء يمكنه الاعتماد عليهم. إنه يريد أن يلعب ورقة فرنسا وأوروبا، ولكن لحسابه وليس لحسابهما، وفي أفق تغيير الأولويات الراهنة الضاغطة على إسرائيل. بالمقابل يرى الرئيس ساركوزي في البرود الظاهر للعيان في العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية فرصة، فجوة، لمرور فرنسا من خلالها ولعب الدور الذي لم يبارح طموح إمكانية لعبه مخيلته في أي يوم من الأيام، وهو طموح فرنسي تاريخي متأصّل. ولا بأس من أن يكون ذلك بواسطة «الحصان الأوروبي». لكن المشكلة هي أن نتانياهو لا يريد البحث فيما هو أساسي. وكل ما توصّل إليه من «تنازلات» حيال مطالب المجموعة الدولية عامة هو الإفصاح عن «احتمال تجميد» بناء مساكن جديدة في المستعمرات لمدّة ثلاثة أشهر. وهذا التنازل جرى تقديمه من قبل قادة إسرائيل على أنه رضوخ لإرادة المجموعة الدولية واعتراف بـ «الأهمية الاستثنائية لعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة»، حسب تصريح لوزير الدفاع إيهود باراك. الملفت للانتباه، بل للدهشة، هو أن وسائل الإعلام الغربية تقدّم ذلك «التجميد المحتمل لمدّة ثلاثة أشهر» على أنه تنازل كبير من قبل نتانياهو... بعد «التنازل الكبير» الآخر عندما تلفّظ بتعبير «الدولة الفلسطينية» والتي لم تكن في التوصيف الذي قدّمه سوى «هيكل أجوف» مفرّغ من أي مضمون. ولا يخفى على أحد، ولا على وسائل الإعلام المعنية بالطبع، أن «التجميد المحتمل» وذاك التعبير عن «الدولة الفلسطينية» في السياق والمدلول الذي قيل فيه يبقيان في إطار ما هو «سطحي» و«تافه» بعيداً عمّا هو جوهري وأساسي. وعندما قام نتانياهو بزيارته إلى روما قبل مجيئه إلى باريس أراد بالتحديد أن يطمس ما هو أساسي حيال القضية الفلسطينية. ومن هنا حاول إقناع الأوروبيين، كما كان قد فعل سابقاً مع الأميركيين، أن المهمّة الأولى المطروحة على «العالم الحر» هي تعبئة كل الوسائل وحشد الجهود من أجل كبح البرنامج النووي الإيراني. ولا شك أن نتانياهو قد وجد في فرنسا، وخاصة لدى الرئيس ساركوزي، شريكاً صلباً في مواجهة «التهديد الإيراني». وعلى عكس الرئيس أوباما الذي يصرّ على ترك إمكانية الحوار مع إيران قائمة، فإن الرئيس ساركوزي طالب بتشديد العقوبات على طهران. الأساسي هنا أيضاً بالنسبة لأوباما هو تحسين صورة أميركا في العالم ولو وصل ثمن ذلك إلى ممارسة بعض الضغط على إسرائيل. وفي محصّلة هذا كلّه، من المؤكّد أن نتانياهو سيبقى في السطحي و«التافه» وفي اقتراحات لا ترمي سوى إلى ذرّ الرماد في العيون وفي تصريحات مثل «التجميد المؤقت» لبناء المستوطنات أو غير ذلك من «التصريحات الفارغة». ذلك أن الدخول فيما هو أساسي سيعني سقوط حكومته ودخول «تسيبي ليفني» وحزبها كاديما «على الخط». وحتى آنذاك لن تكون هناك أية مفاوضات سلام حقيقية ولا من يحزنون. وبعد «آنذاك» ستبدأ مساومات من نوع آخر. هناك خطط ومناورات تجري على المسرح الدولي حول الشرق الأوسط. الإسرائيليون يحاولون قلب الأولويات لتعديل الموازين أمام الضغط الأميركي. والأوروبيون يحاولون لعب ورقة المؤتمر الدولي، يؤيدهم في ذلك الروس كسبيل لتثبيت تواجدهم كقطب دولي.... والعرب؟! عن صحيفة البيان الاماراتية http://www.miftah.org |