الحوار الفلسطيني.. أين عليه أن ينتهي؟
بقلم: طلال عوكل
2009/7/4

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=10624

على غير المتوقع، انتهت الجولة السادسة من الحوار الفلسطيني في القاهرة إلى جولة سابعة تنعقد في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، تسبق اجتماعاً تدعى إليه بقية الفصائل الثلاثة عشر، من أجل التوقيع على اتفاق تبدو ملامحه واضحة.

التأجيل الجديد يطرح تساؤلات عديدة تذهب إلى ما هو أبعد من مجريات الحوار وقضايا الخلاف والاتفاق، إلى طبيعة الدور المصري، والدوافع التي تقف وراء استنزاف الوقت، ربطاً بالأهداف الحقيقية المتوخاة من وراء هذا الحوار الذي بدأ شاملاً وسرعان ما انتهى إلى حوار ثنائي بين الحركتين الكبيرتين فتح وحماس.

بعد فشل الجولة الخامسة، ألقى الوزير عمر سليمان على مسامع الوفدين، كلاماً قاسياً وتحذيراً شديداً، فمصر ليست مكاناً للضيافة أو فندقاً إنما هي دور، وبأن على الأطراف أن تتدبر أمورها قبل موعد السابع من يوليو الذي يشكل سقفاً أخيراً للحوار، فإما أن يتفق الطرفان وإما أن يُفرض عليهما الاتفاق.

الكل سمع أو قرأ هذا الكلام وعليه تعلقت آمال الفلسطينيين، بمرحلة جديدة، تغادر ميدان الانقسام وتداعياته نحو ميدان إعادة بناء الوحدة وإعادة بناء النظام السياسي، فلماذا تجاوزت مصر الموعد الذي حددته علناً أمام وسائل الإعلام؟ وهل ستكون الجولة السابعة آخر الجولات أم ثمة مجال أو ضرورة لاستهلاك المزيد من الوقت؟ ما الذي يجري في أروقة الحوار، وإلى أين تريده القاهرة وأطراف عربية ودولية أن يصل؟

في الواقع فإن الدور المصري الذي تحدث عنه الوزير عمر سليمان يقضي عن كلام سابق بأن الوضع الفلسطيني بسلبياته وإيجابياته، يمس بالأمن القومي المصري والعربي، وهو دور على ما يبدو شديد الاتصال والتواصل مع دوائر القرار الأميركي والأوروبي، التي تسعى بجدية واضحة، لدفع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي نحو مفاوضات تنتهي خلال عام أو عامين على الأكثر، بإقامة دولة فلسطينية تحقيقاً لرؤية الدولتين التي أصبحت موقفاً دولياً جامعاً.

حتى يحصل هذا، ثمة حاجة لفترة من الوقت كافية لتأهيل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للانخراط في عملية سياسية ناجحة، وإذا كانت الولايات المتحدة هي الطرف المؤهل والمكلف بتحضير الجانب الإسرائيلي، عبر إقناعه بوقف الاستيطان والإجراءات الأخرى التي تعطل فعالية المفاوضات، فإن الجانب المصري على ما يبدو هو المؤهل والمكلف بدعم من آخرين عرباً وأجانب، بإعادة تأهيل وتكييف الوضع الفلسطيني بما يجعله قادراً على الاستجابة للجهد الدولي إزاء متطلبات عملية سلام ناجحة.

ويبدو أن عملية تحضير ميدان وبيئة وجهات التفاوض في المنطقة قائمة على فرضية تقول إن الوقت قد حان لإنهاء ملف الصراع الفلسطيني والعربي والإسرائيلي. في إسرائيل بات معروفا بأن ما يسمى باليسار (حزب العمل) لم يكن قادراً على اتخاذ قرار بتحقيق السلام، في ظل معارضة يمينية قوية، فقراره لا يحقق إجماعاً إسرائيلياً وإنما اليمين هو الذي يستطيع أن يفعل ذلك.

بالممارسة العملية، الليكود هو من عقد مع مصر اتفاقية كامب ديفيد، وبيجن وشارون هما فقط اللذان كانا قادرين على تفكيك مستوطنات، فالأول دمر مستوطنة ياميت في سيناء والثاني دمر تسع عشرة مستوطنة في قطاع غزة عام 2005.

واضح أن اليمين الإسرائيلي لن يلتحق بسلام يصنعه حزب العمل، لكن حزب العمل سيلتحق بسلام يقوده الليكود، وهما الآن بقيادة نتنياهو يشتركان في حكومة واحدة، والأمر ينطبق على حزب كاديما الذي ترأسه تسيبي ليفني التي سيلتحق حزبها بسلام يقوده نتانياهو، طالما أنها تطرح برنامجا «سلامياً».

إذن لم يتبق إلا إزالة بعض العقبات، وإعادة ترتيب الأولويات بما يساعد على إنجاح مفاوضات تؤدي إلى دولة فلسطينية، والأسوأ أن تجد إسرائيل نفسها أمام خيار دولة واحدة لشعبين.

على الجانب الفلسطيني لم تنجح فتح في تحقيق تسوية، وهي تواجه معارضة قوية، وبالتالي يصبح المطلوب استدراج المعارضة الحمساوية إلى العملية السياسية، بشكل أو بآخر، حتى يتوفر للمفاوضات عامل النجاح بدون معارضة قوية.

المعادلة ذاتها تحكم النظرة لعوامل نجاح المفاوضات على الجانب الفلسطيني، فحين تقبل حماس الانخراط في العملية السياسية، فإن ذلك سيحقق إجماعاً على قدرة نفوذ الحركتين حماس وفتح، وفي ظل غياب معارضة قوية ومعطلة من الفصائل الأخرى. حتى يتحقق ذلك، تجري عملية ترويض واستدراج وتكييف تحتاج إلى وقت أطول، ويكون المطلوب من الحوار الفلسطيني إنهاء الانقسام السياسي، مع إبقاء الحال على حاله بما في ذلك وجود الحكومات والأجهزة والسيطرة.

الوقت الذي يجري إهداره إذاً عبر إطالة وتأجيل جولات الحوار التي تجرجر منذ شهر أغسطس العام الماضي، تستهدف ترويض الطرفين، فتح لقبول صيغ تشرع الانقسام مقابل مرونة سياسية من حماس، وحماس لإبداء مرونة سياسية مع ضمان بقاء سيطرتها على قطاع غزة، وحصولها على شرعية فلسطينية وعربية ودولية.

التأجيل أيضاً يخدم أمرين، الأول يتصل باستكمال المصالحات العربية، خصوصاً بين سوريا ومصر، وهو أمر يتابعه خادم الحرمين الشريفين بما يخدم تهيئة البيئة العربية من ناحية، ويساعد على تكييف الحالة الفلسطينية مع استحقاقات الجهد الدولي نحو التسوية من ناحية أخرى. الأمر الثاني يخدم الانتخابات التشريعية والرئاسية، إذ إن الانتخابات لا يمكن أن تجري في الخامس والعشرين من يناير العام المقبل كاستحقاق دستوري، في حال استهلاك المزيد من الوقت خلال النصف الثاني من العام الحالي، مما يعني تمديد شرعية الرئيس والمجلس التشريعي.

حتى تجري الانتخابات في موعدها، تحتاج إلى تأجيل الحوار والاتفاق إلى نهاية شهر يوليو على أقل تقدير! وخلال هذه الفترة الطويلة للحوار الذي يبدو للمواطن وكأنه حوار طرشان، تجري عملية تكييف وترويض للجمهور الفلسطيني، ولقواعد وأنصار الحركات الفلسطينية، لتتقبل أية حلول يجري التوصل إليها، بعد أن فقد هؤلاء آمالهم وطموحاتهم الصغيرة.. وليس الكبيرة وحسب.

عن صحيفة البيان الاماراتية

http://www.miftah.org