ورقة موقف : حول التطورات السياسية الراهنة ودور المجتمع المدني في فلسطين
بقلم: مؤسسة مفتاح وائتلاف أمان
2026/6/11

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=17692

في ظل المرحلة الحرجة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وما يواجهه من تحديات وجودية على المستويين الوطني والإنساني، تبرز الحاجة إلى مقاربة سياسية وقانونية شاملة تحافظ على الأرض والإنسان، وتعزز مقومات الصمود الوطني. ويأتي ذلك في سياق استمرار الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وتصاعد الإرهاب الاستيطاني في القدس والضفة الغربية، وما يرافقه من اعتداءات ممنهجة تستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، ضمن مسار يهدف إلى تكريس وقائع استعمارية جديدة، وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وفي هذا السياق، برزت خلال الأعوام الأخيرة، وتحديداً منذ عام 2025، مبادرات رسمية لإحداث تغييرات تشريعية وسياسية تمس بنية النظام السياسي الفلسطيني، سواء في منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية. وقد شملت هذه المبادرات طرح مسودة دستور جديد، وقانون جديد للأحزاب، وقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية، ونظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وعلى الرغم من أهمية النقاش حول إصلاح النظام السياسي، فإن هذه التشريعات أثارت تساؤلات جدية حول توقيتها، ومدى دستوريتها، ومستوى التوافق الوطني عليها، واحتمالات توظيفها لإعادة هندسة الحقل السياسي الفلسطيني بدلاً من تجديده ديمقراطياً.

تتمحور التحفظات على مسودة الدستور الفلسطيني الجديد حول توقيت طرحها في ظل استمرار الحرب والانقسام وتعطل المؤسسات التمثيلية، بما يحد من إمكانية إجراء نقاش وطني شامل وفاعل. كما أن وجود القانون الأساسي الفلسطيني، الذي أقرّه مجلس تشريعي منتخب، يجعله مرجعية دستورية قائمة إلى حين قيام الدولة الفلسطينية. وتزداد المخاوف في ظل غياب بيئة مناسبة لإجراء استفتاء شعبي حر، إضافة إلى وجود ثغرات جوهرية في المسودة، من بينها عدم تحديد حدود الدولة الفلسطينية بوضوح، وعدم حسم العلاقة بين منظمة التحرير ومؤسسات الدولة، وغياب النص الصريح على حق العودة وحق تقرير المصير.

أما بخصوص انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، فقد أُثيرت اعتراضات على توقيت وصيغة القرار المتعلق باعتماد اللجنة التحضيرية، ثم صدور مرسوم انتخابات المجلس الوطني وتحديد موعدها في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2026. وتكمن المخاوف الأساسية في أن بعض الأحكام قد تتيح الالتفاف على الإرادة الشعبية، خاصة إذا تعذر إجراء الانتخابات داخل فلسطين بفعل الاحتلال أو لأسباب أخرى، بما يفتح الباب أمام بدائل مثل التوافق أو التعيين أو المجمعات الانتخابية. كما تثير تركيبة المجلس المقترحة، وشروط الترشح السياسية، واعتبار الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة دائرة واحدة، مخاوف من إعادة إنتاج الواقع السياسي القائم بدل فتح المجال أمام تمثيل ديمقراطي واسع.

وفيما يتعلق بقرار بقانون رقم 23 لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، أبدت مؤسسة مفتاح وائتلاف أمان منذ البداية تحفظات واضحة على المواد التي تشترط التزام مرشحي القوائم ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والتزاماتها الدولية. وترى المؤسستان أن إدراج شرط سياسي في انتخابات محلية ذات طبيعة خدماتية وتنموية يحمّل العملية الانتخابية أبعاداً لا تنسجم مع وظائف الهيئات المحلية، وقد يؤدي عملياً إلى تقييد الحق في الترشح وإقصاء قوى وتيارات سياسية ومجتمعية. كما أن مثل هذه القيود تمس جوهر التعددية السياسية، وتعمق الانقسام بدلاً من توسيع المشاركة، وتنقل الخلافات السياسية الكبرى إلى فضاء انتخابي يفترض أن يتمحور حول البرامج الخدماتية والتنموية.

وعلى الرغم من مطالبات مؤسسات المجتمع المدني بإلغاء هذا الشرط أو تحييده عن الانتخابات المحلية، لم تتم الاستجابة لهذه المطالب بصورة جوهرية، الأمر الذي عكس محدودية أثر المشاورات المجتمعية على الصياغة النهائية للقانون. وقد جرى المضي في عقد الانتخابات المحلية رغم استمرار التحفظات، بما قد يؤثر على ثقة الجمهور بالعملية الانتخابية، وعلى شعور مختلف الفئات بأن الانتخابات مساحة عادلة ومفتوحة للمشاركة والتمثيل.

أما مسودة قانون الأحزاب السياسية، فتأتي في سياق نقاش قديم يعود إلى محاولات بدأت منذ عام 1998، ثم عادت إلى الواجهة ضمن حزمة الإصلاحات الأخيرة. ولا تكمن الإشكالية في فكرة تنظيم الحياة الحزبية بحد ذاتها، بل في توقيت طرح القانون وسياقه السياسي، في ظل الانقسام وتعطل الحياة التشريعية وغياب التوافق الوطني. كما تثير بعض شروط التسجيل والمشاركة، وخاصة الالتزام بمرجعيات سياسية محددة، مخاوف من تحويل القانون إلى أداة لإقصاء قوى سياسية بعينها وإعادة تشكيل الحقل السياسي بدلاً من تعزيز التعددية والمنافسة الديمقراطية.

وانطلاقاً من ذلك، تؤكد مؤسسة مفتاح وائتلاف أمان ضرورة تبني موقف موحد تجاه هذه الحزمة التشريعية، باعتبارها ليست مسارات إجرائية منفصلة، بل جزءاً من سياق سياسي وقانوني يمس مستقبل النظام السياسي الفلسطيني والتمثيل والمشاركة. وتدعو المؤسستان إلى إخضاع هذه التشريعات لنقاش وطني واسع، تشارك فيه القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء القانونيون والحقوقيون والمواطنون، مع ضمان تمثيل النساء والشباب ومراعاة التباينات الجغرافية والمناطقية.

كما تطالبان بمراجعة قانون انتخابات الهيئات المحلية، وإلغاء أي نصوص تربط حق الترشح بشروط سياسية لا تنسجم مع طبيعة المجالس المحلية. وتؤكدان كذلك عدم ضرورة إعداد دستور جديد قبل تكريس الدولة، وضرورة التركيز بدلاً من ذلك على تفعيل القانون الأساسي، وإعادة بناء الشرعية التمثيلية من خلال توافق وطني شامل. كما تدعوان إلى إعادة النظر في نظام انتخابات المجلس الوطني بما يضمن انتخابات ديمقراطية مباشرة وشفافة، ويمنع الاستعاضة عن الإرادة الشعبية بالتعيين أو المحاصصة أو المجمعات الانتخابية.

وفي الخلاصة، تؤكد مفتاح وأمان أن أي إصلاح سياسي حقيقي يجب أن يستند إلى إرادة وطنية جامعة، تقوم على الشفافية والمساءلة والشراكة الفعلية. كما تؤكدان دعمهما لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تضمن حق المواطنين في التصويت والترشح، وترفضان في المقابل أي ترتيبات أو تشريعات من شأنها تقييد المشاركة أو إعادة إنتاج الواقع السياسي القائم تحت عنوان الإصلاح.

للاطلاع على ورقة الموقف بصيغة PDF

http://www.miftah.org