العاصمة المفقودة
بقلم: ميرون بنفنستي*
2007/5/10

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=7024


احتفالات يوم القدس بدأت وفقا للعادة التكرارية المتواصلة منذ ثلاثين عاما بسيل دافق من الاعلانات والدعاية التي ترمي الى إضفاء طابع تاريخي - نظري على المناسبات والاحتفالات الشعبية المتوقعة في هذا العيد.

اذا حكمنا على ما تم التركيز عليه من هذه الاعلانات فيوم القدس الاربعين ليس يوم عيد، وانما يوم ذكرى لفرص قد ضُيعت ومحاسبة ذاتية للنفس عن الاخفاقات. السؤال الأساسي الذي تكرر حتى الملل "هل القدس موحدة؟" يُجاب عليه بمقالات عنوانها "الكذب الكبير" وكتب تدعي انها تكشف "كيف انهارت سياسة توحيد القدس".

المقدسيون المخضرمون يحكون جراحهم عندما يكشفون حقيقة أن أي واحد من أولادهم لم يبق في القدس، وأن المعيار السياسي السليم يتطلب التعبير عن الابتعاد بل والاحتقار من القدس وما تمثله. وضع "التوازن الديمغرافي" يعتبر مقياسا كميا لهذا الوضع.

وفقا لمعطيات كانت قد نشرت عشية يوم القدس "سيفقد السكان اليهود اغلبيتهم في المدينة في عام 2035". ووفقا لاوري لوبوليانسكي، رئيس بلدية القدس، يعني هذا الامر أن القدس عاصمة الدولة وقلب الشعب اليهودي ستكون موحدة إلا انها ستخضع لقيادة اجنبية فعليا، وبذلك "قد تفقد الدولة عاصمتها".

الجداول الاحصائية تعطي انطباعا بأنها علمية دقيقة، والتنبؤات بعيدة المدى مخيفة ومهددة من دون المخاطرة المفرطة بعدد احتمالات تجسيدها. قلة قليلة فقط ستتجرأ على زعزعة المعطيات والتنبؤات: على أي أساس تتحدد الاغلبية اليهودية، وكيف يتم احتساب الفجوة الديمغرافية بين اليهود والعرب "في المدينة الموحدة"؟.

ليس هناك أي جديد في الادعاء بأن تحديد حجم السكان العرب في المدينة في عام 1967 كان عشوائيا وقد تم من خلال المزج بين الوسائل البيروقراطية (منع الوصول الى سجل السكان)، والجغرافية (اقتطاع مناطق مأهولة بالعرب ومن ضمنها مناطق فارغة لاقامة أحياء يهودية). من المثير للسخرية انهم لو قبلوا في عام 1967 تحديد حدود الضم التي رسمها "الموسعون"، ومن ضمنهم رحبعام زئيفي، لكانت اليوم اغلبية عربية في القدس.

قرار موشيه ديان "المقلص" تسبب في امكانية ابتداع اغلبية يهودية في القدس وفجوة بنسبة 3 يهود: 1 عربي. هذه الصيغة الوهمية كانت وما زالت عاملا هاما في تخطيط المدينة وأداة قيمة جدا بيد حيتان العقارات ومخططي المدن الذين يسارعون الى التضحية بقيم المشاهد الطبيعية والبيئية وجودة الحياة الحضرية على مذبح قداسة الفجوة الديمغرافية الوهمية.

في السابق اعتقدوا أن الحفاظ على اغلبية يهودية سيتحقق من خلال البناء المكثف للأحياء الضخمة، والآن ينظرون الى اقتطاع "الأحياء البعيدة" العربية ليقلصوا من عدد السكان العرب بطريقة بيروقراطية مصطنعة.

السياسيون الاسرائيليون - الديمقراطيون الأقحاح - يخافون كما يزعمون من فقدان الاغلبية اليهودية، ذلك لان هذه العملية ستؤدي الى وجود اغلبية عربية اذا جرت في قادم الايام انتخابات ديمقراطية. ولكن ليس هناك نفاق أكبر من ذلك: هل سألوا العرب اذا كانوا يرغبون في الانضمام الى اسرائيل، وهل يسألونهم الآن عن رغبتهم في "الانفصال" عن المدينة مثلما فعلوا مع الستين ألف مواطن من سكان المدينة الذين وُضعوا خارج الخط الاخضر؟ ذلك لانه في كل مرة يظهر فيها لعرب القدس قائد مثل فيصل الحسيني، الذي حاول اقامة مركز مجتمعي مستقل في "بيت الشرق"، كانوا يحرصون على عزله وتحطيم المؤسسة التي أقامها.

فقدان الاغلبية اليهودية هو فزاعة تُستخدم كذريعة لتقييد خطوات السكان الفلسطينيين، وشعارا مريحا للصراع والمناكفة الداخلية في اسرائيل. طالما ظلوا هنا يستخدمون هذا الشعار، فذلك يعني أن الصراع حول القدس لم ينته بعد، بامكان الفلسطينيين أن يتفاخروا في أن اسرائيل ما زالت تخاف من فقدان القدس رغم مرور اربعين عاما على محاولاتها القوية جدا بكل ما أوتيت من قوة لضمها اليها. * باحث يساري ومستشار سابق لكوليك - هآرتس 10/5/2007 -

http://www.miftah.org