مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


اذا انتهى الأمر. البروتوكولات نشرت أمس والحمد لله. من الممكن تنفس الصعداء. الديمقراطية نجت. زهافا غلئون ستوقد الشعلة في يوم الاستقلال القادم. ولدولة اسرائيل الفخار. ما الذي استفدناه من هذه البروتوكولات؟ ليس الكثير. البروتوكولات نشرت بعد تعرضها لمقص الرقابة مقطعة منزوعة الأوصال. كان هناك الكثير من الهمس وكانت هناك العلاقات بين اولمرت وبيرتس وحلوتس. أما كل ما تبقى فقد كان مجرد فسيفساء مجزأة ومكسرة حول تردد رئيس الوزراء ومشاوراته وتحضيراته. كانت هناك ايضا ذرائع وزير الدفاع وأفكار رئيس هيئة الاركان.

من الملفت للنظر أن ثلاثتهم بما فيهم رئيس هيئة الاركان يوجهون في نهاية المطاف انتقاداتهم لمقاول التنفيذ: الجيش الاسرائيلي. "من الواضح انه لو نفذت العمليات البرية في الحرب بصورة أفضل لما كان علينا أن نصل الى العملية البرية الواسعة في الجزء الأخير من الحرب"، قال حلوتس. حلوتس هذا هو المسؤول الأعلى عن الجيش، ومع ذلك يوجه الانتقادات اليه. "العمليات البرية". ما هي علاقته بذلك؟ هكذا تبدو الامور فالبروتوكولات توفر لنا فرصة لتذوق مجرى الامور بعضا من هنا وبعضا من هناك. هي لا تعطينا صورة شاملة كاملة، وبالمناسبة ليس من الواضح اذا كانت هناك حاجة لنشر الصورة الكاملة. نحن نستعد للحرب القادمة. ربما يفضل أن نستسلم سلفا ونريح أنفسنا؟ مع كل الاحترام للديمقراطية، إلا أن عليها أن تتعلم كيف تدافع عن نفسها. لا يتوجب أن تُكشف أسرارها طول الوقت أمام الجميع.

وهناك الجيش الاسرائيلي. صحيح انه قد صدىء. وصحيح انه قد تعرض للاهمال، ولكننا لا نملك جيشا غيره. من دون جيش لن تكون لدينا دولة. اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يمكنها أن تواصل بقاءها ثانية واحدة من دون جيش قوي جبار وماهر. لذلك مع كل الانتقادات والتحفظات يتوجب الحفاظ على الجيش وتقديم الدعم لرئيس هيئة الاركان. يتوجب الادراك أن الأخيار فعلا ليسوا مستعدين للبقاء في جهاز فاشل ولا احترام له. عندما يتحول الجيش الاسرائيلي الى كيس للضربات يضغط المتفوقون على الأزرار للفرار بكراسيهم. اذا تواصلت عملية فرار الشباب النوعيين من الجيش الاسرائيلي فنحن أمام خطر وجودي حقيقي.

حتى آب القادم، الموعد الذي يفترض أن ينشر فيه التقرير النهائي للجنة فينوغراد، سيقوم الجيش الاسرائيلي باستكمال المرحلة الاولى من عملية اعادة البناء. وعندئذ ستأتيه الضربة الكبرى. الجيش بحاجة الآن الى ثلاثة امور: الدعم، الميزانية والوقت.

ليبرمان، الشخص الذي يجد صعوبة في الجلوس في مكان واحد أكثر من خمس دقائق، انقض على اشكنازي وواصل من النقطة التي توقفت عندها تسيبي لفني في تلك الهمسة في أذني اولمرت قبالة عدسات التلفاز. اشكنازي ضبط نفسه بصعوبة كبيرة. الجلبة مرت بطريقة ما ولكن المذاق السيء ظل في الحلق. وعموما، جلسة المجلس الوزاري الهامة جدا التي تتداول في العبر المستخلصة من لجنة فينوغراد وفي الجزء السري من التقرير، هي نفس الجلسة التي يأتي اليها الوزراء متأخرين باستخفاف وعدم احترام، والبعض الآخر يخرجون في منتصف الجلسة ولا ينتظرون حتى النهاية. في الجيش الاسرائيلي يعملون الآن على مدار الساعة لاستخلاص العبر بالسرعة الممكنة. وقد آن الأوان أن يبدأ المستوى السياسي هو الآخر بالعمل. قانون مجلس الأمن القومي مثلا الذي بادرت اليه عضوة الكنيست عميره دوتان، هو بداية جيدة، ومع ذلك كان هناك شيء ناقص في البروتوكولات بالأمس. لم يكن هناك اريئيل شارون. ماذا قال اولمرت عنه. هذه الامور غُيبت ولم تعد موجودة، لماذا؟ هل اشتغل مقص الرقابة هنا بسبب الخطر على الأمن القومي؟ يصعب افتراض ذلك. لجنة فينوغراد هي التي فرضت رقابتها على ما نشر، هذا ما قالوه لنا عندما سألنا عن سبب عدم نشر ما قاله اولمرت حول شارون. المبرر كان أن شارون لا يستطيع الرد على ادعاءات اولمرت، ولذلك من الأجدر عدم إظهارها. هناك شك أن يجتاز هذا التبرير محك محكمة العدل العليا. وهل سنجد أنفسنا أمام هذا المحك؟ الجواب هو نعم على ما يبدو. بعض الأطراف في عائلة شارون، ومن بينهم عمري نفسه، يفكرون في التوجه الى محكمة العدل العليا مطالبين بنشر الأجزاء المتعلقة برئيس الوزراء السابق في شهادة اولمرت. هذا الالتماس سيكون مثيرا للفضول، والنتيجة ستكون أكثر إثارة للفضول اذا قُبلت الدعوى.

البروتوكولات تضمنت فقرات غريبة ايضا وربما مثيرة للانفعال. القاضي فينوغراد ناشد اولمرت عدة مرات بأن لا يُطيل في شهادته، إلا أن اولمرت تجاهل ذلك وأسهب في كلماته. في مرحلة معينة بعد نوع من المجابهة حول قضية إسهاب اولمرت قال رئيس الوزراء لفينوغراد: "أنا أحترمك وأنا أعتذر. أنا أريد أن اقول لك كلمة واحدة حتى تكون أكثر تسامحا. ليس لدي مكان آخر اقول فيه هذه الكلمات وهي تشتعل في بطني منذ أكثر من نصف عام".

كلماته مؤثرة. رئيس الوزراء يتعرض للاساءة والهجمات في وسائل الاعلام وفي الساحة السياسية، وهو يغوص في هبوطه، ويمثل أمام لجنة تحقيق كان قد عينها بنفسه لتقصي الحقائق حول ما فعله في حرب فاشلة ويحاول الدفاع عن نفسه. هذا الخطاب هو خطاب الدفاع عن حياته كما يفترض، وحربه الوجودية، هو يدافع عن سمعته الطيبة وعن مسيرته السياسية وعن قيادته للبلاد في ساعات الحرب، ومع ذلك يأتون ويطالبونه باختصار كلماته. ليس لديهم وقت وليس لديهم الكثير من الصبر. لجنة فينوغراد سمعت حتى ذلك الحين شهادة 74 شخصا، فمن الذي يمتلك قوة لكل هذه الثرثرة؟ ومن الناحية الاخرى أين يمكن اولمرت أن يُسهب في كلماته اذا لم يكن في هذا الموقع.

يتحدثون بصوتين

حتى هنا تحدثنا عن اللجنة التي كانت. ولكن هناك ضرورة للتحدث عن اللجنة التي ستكون. ذلك لانه في الوقت الذي نواصل فيه الانشغال بالبروتوكولات وبلجنة التحقيق وباهود براك وعامي أيلون، وبانخفاض الدولار وبحالة الطقس الجنونية - تحدث أمور كثيرة. عندما نصمت للحظة يكون بمقدورنا أن نسمع تكتكة القنبلة، وصوت الرمل المتدفق من الجزء الأعلى من الساعة الرملية نحو الأسفل. نحن نقترب من الحرب القادمة. ليس واضحا اذا كانت ستندلع في الصيف وفي أي صيف تحديدا، ولكن من الواضح أن المعسكرين الكبيرين يتحركان طول الوقت. حركة خفيفة غير ملموسة على المستوى السطحي، ولكنها متواصلة.

اسرائيل وسوريا تقتربان من الحرب طول الوقت. في جهاز الأمن هناك من يسألون انفسهم متى سيحدث ذلك متجاوزين مسألة حدوثه أو عدم حدوثه، فالمسألة مؤكدة. سوريا تمر في ذروة عملية تسلح هائلة تُذكر باستعدادها لحرب يوم الغفران. صواريخ من كل نوع وصنف: مضادات للدبابات وللطائرات وللسفن. اجهزة الدفاع الجوية المتطورة والمدفعية الهائلة كلها في حركة دائمة. السوريون ايضا يُجددون سلاح البحرية ويبنون مواقع محصنة ويستخلصون العبر من حرب لبنان الثانية ويوجهون أنفسهم لاستغلال النقاط الميتة لدى الجيش الاسرائيلي.

تمويل كل هذه الامور يأتي من ايران. تدريبات الجيش السوري التي تمحورت حول الدفاع في السنوات الأخيرة تنتقل الى الهجوم. هذا تغير خفيف ولكنه جوهري. بين الحين والآخر تجري مناورات هجومية رغم أن المنظومة السورية ما زالت دفاعية حتى الآن، ولكن التغيير وارد في أي لحظة. والأمر الأكثر أهمية: السوريون يتحدثون. يقولون بصوت مسموع ما يفكرون به. التجربة التاريخية تشير الى أن أفضل استخبارات هي الاصغاء لما يقوله العرب. هم دائما يكشفون نواياهم. السوريون يقولون منذ مدة طويلة انهم يريدون صنع السلام مع اسرائيل. ليست لديهم شروط مسبقة، ولكنهم يضيفون بأنهم سيضطرون الى شن الحرب اذا لم ينجحوا في السلام. هم يناشدون من اجل استئناف المفاوضات الى درجة إهانة أنفسهم تقريبا.

إلا أن هذا الامر لن يستمر الى الأبد. السوريون يعتقدون إثر حرب لبنان الثانية أن من الممكن لسع اسرائيل ولديهم ما يعتمدون عليه. ليس بامكانهم أن يحتلوا طبرية على ما يبدو، ولكنهم يستطيعون ضرب اسرائيل بمئات الصواريخ وتنفيذ عملية عسكرية خاطفة وسريعة في الجولان وإلحاق خسائر فادحة بالعمق الاسرائيلي وفي صفوف الجيش الاسرائيلي. هم جاهزون ومدربون ومسلحون لاستغلال نقاط ضعف الجيش الاسرائيلي. وكما اتضح لنا في الصيف الأخير هذا الجيش يمتاز بنقاط ضعف كثيرة.

هذه الحرب مكتوبة على الجدار من الآن. عمل لجنة التحقيق القادمة بعد أن ندفن آلاف الموتى سيكون سهلا، ربما سيكون الجيش الاسرائيلي على بوابات دمشق، ولكن هذا لن يُغير الكثير. اذا كان النجاح ساحقا، فربما سننجح في اسقاط النظام العلوي والحصول مكانه على دولة سنية متطرفة مع القاعدة على الجدار. نحن مثل عادتنا دائما سنشتاق الى ما كان في السابق، الحكم السوري العلماني الموثوق والمستقر الذي يمكن عقد الاتفاقات معه. عندما سيكون في سوريا ما أصبح الآن قائما في غزة، سنشعر بالندم حيث لا ينفع الندم. وكالعادة سيكون الوقت متأخرا جدا.

غزة هي الاخرى مرتبطة بهذه الحكاية. التكتكة مسموعة هناك ايضا. حماس تبني جيشا وتتعلم كيف تقاتل وتزيد من ثقتها بنفسها وتزداد جُرأة وشجاعة. تتحصن وتتخندق وتتسلح بالوسائل القتالية المُحكمة. كل يوم يمر يزيد من قدرتها على ضرب الجيش الاسرائيلي، عندما يُتخذ قرار التوقف عن سياسة "الاحتواء". اذا اشتعلت الجبهة الشمالية فمن المعتقد أن الجبهة الجنوبية ستتبعها. قائد المنطقة الجنوبية يوآف غلينت سيشتاق الى تلك الايام التي كان بمقدوره حينها القيام بعملية برية طويلة نسبيا في القطاع بواسطة لوائين والقضاء من خلال ذلك على 300 مخرب من دون دفع الثمن تقريبا. هذه الجبهة ستتحول الى جبهة أشبه بحزب الله. والى جانب ما سيحدث في الشمال، حيث سينهض حزب الله الأصلي لمساعدة سوريا، سيتحول كل ذلك الى شيء غير لطيف بصورة صارخة جدا.

خلافا للحكاية السورية، ليس في غزة من يمكن التحدث معه. في غزة يتوجب الفعل. الشلل الذي أصيبت به الحكومة لاسباب سياسية وشعبية سيكلفنا ثمنا باهظا. الادعاء بأن العملية قد تمس بجلعاد شليط ليس ذي صلة. اولا، لان الأمر ليس صحيحا. وثانيا، لانه لا يمكن ارتهان المصالح الوجودية في اطار مسعى باطلاق سراح مختطف وحيد. ايضا في ذروة العملية العسكرية الأخيرة في غزة عندما دفعت حماس ثمنا باهظا يوميا، شليط لم يُصب بالأذى. الأطراف التي تمسك به تعرف انه بوليصة تأمينها، وبيضة الذهب التي ستربحهم ثروة عندما يتحقق الامر. هم لن يمسوه بأذى.

البوابة الخلفية

الجبهة السورية مختلفة. هناك يوجد ما يمكن القيام به. ثمن التسوية السلمية معروف. الأطراف المقربة من اولمرت تبحث في مسألة التسوية، ولكن بصورة سرية. يتوجب أن نأمل أن يكون لدى اولمرت وقت أطول لاقناع لجنة التحقيق القادمة عندما يمثل أمامها بعد الحرب مع السوريين. وفقا للمعلومات التي ترد من مصادر اجنبية، قام اولمرت بارسال مبعوث واحد على الأقل الى دمشق. طرفا موثوقا ومعروفا جيدا في القدس وفي دمشق على حد سواء. نتائج هذه الخطوة ليست واضحة في هذه المرحلة، وهناك ايضا عمليات جس نبض فرعية، على سبيل المثال مبادرة السلام التي يقوم باعدادها موشيه شاحل وداليا رابين وفيني ميدان - شيني من قادة الموساد السابقين. المبادرة بدأت عند شاحل الذي توجه الى داليا رابين واقترح عليها بلورة مبادرة سياسية تحاول الجسر بين كل الأطراف العربية وبين اسرائيل باتجاه صفقة رزمة. مركز رابين للسلام يمكن أن يكون وفقا لاعتقاد شاحل عنوانا ملائما لهذه المهمة. ميدان شيني انضم الى المبادرة حيث توجهوا جميعا الى اولمرت وقابلوه قبل شهر عارضين عليه أفكارهم.

شريكهم الفلسطيني هو جبريل الرجوب. هم التقوا ايضا رئيس الوزراء الاردني حيث تحولت المملكة الاردنية الى وسيط رسمي وراعٍ لتشجيع السلام والمبادرة السعودية في المنطقة. احدى الأفكار كانت ارسال الرجوب الى دمشق، حيث توجد لديه علاقات طيبة، لجس النبض بصورة سرية لدى الأسد. الرجوب وافق. اولمرت، بالمناسبة، أصغى باهتمام وقال لهم انه قد سمع ولكنه ليس مشاركا في العملية، وقال لهم هذه حكايتكم، أنتم مستقلون فلتفعلوا ما تفهمونه، ولتُعلموني بالمجريات. هذا يعني أن المسار سيصبح مسارا جانبيا أو خلفيا غير رسمي وغير حكومي، إلا أن الحكومة على عِلم بالمجريات. بالمناسبة، اتفاق اوسلو بدأ بهذه الطريقة. ما الذي حدث في هذه الاثناء؟ كان من المفترض أن يتوجه الرجوب الى دمشق، ولكنه لم يفعل وليس واضحا اذا كان سيسافر.

ايران تواصل في هذه الاثناء تسريع مشروعها النووي، والامريكيون يبلورون في السر خطة هجومية. العقوبات الدولية تتقدم والساعة تتكتك. في وزارة الخارجية بلوروا خطة لحملة دولية واسعة ضد ايران وفق نموذج حملة مناهضة حزب الله التي بادر اليها في حينه الوزير سلفان شالوم. تلك الحملة لاقت النجاح في حينه. النجاح لم يكن نهائيا، خصوصا ليس في اوروبا، ولكنه أحرز أمورا جيدة. ومع ذلك يحظر أن ننسى: التسوية بين اسرائيل وسوريا تنفذ المهمة وتحرز الهدف دفعة واحدة من دون الحاجة الى الحملات والعقوبات والهجمات. ايران ستجد نفسها بين ليلة وضحاها معزولة. محور الشر سيتلاشى، والممر الآمن بين حزب الله وطهران سيُغلق. ليست لاسرائيل مصلحة وجودية أكبر من ذلك. الامريكيون ايضا يبدأون بوتيرتهم في ادراك ذلك. اللقاء بين رايس والشرع في شرم الشيخ يبرهن على ذلك. - معاريف 11/5/2007 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة